...ولا يزال السيد خليل ـ الذي هو أنا ـ يمُد عينيه مرة فوق ومرة تحت، واقعاً تحت تأثير صدمة الحضارة.. «كرتوناً» و»كيسًا» كسائر الكراتين والأكياس التي كانت تشحن إلى بلاد الفرنجة دون إعداد أو تهيئة «بضاعة» شرقية المنشأ والولادة، لفحتها شمسنا المُحرقة وأنضجتها فوق صفيح حَرِّنا الساخن.. ثم قُذف بها ـ من الدار إلى النار في زمهرير شتاء لم تعهده..
ذهبت أبحث عن «موناليزا» صاحبة العيون التي حار الفهم في كنه نظرتها الغامضة وابتسامتها التي أشغلت النقاد.. كأن شوقي قد عناها حينما قال:
ألقت إلى الليل جيدًا نافرًا ورمت
إليه أذنًا وحارت فيه عيناها..
هذه السيدة القروية التي غدت أشهر من أحمد شوقي فما بالك بعمدة مدينة فلورنسا في زمنه أو من لحق به من العُمَد بعد ذلك!
هذه السياحة «الدراسية» المبكرة، وما اكتنفتها من دهشة صاعقة، ذكرتني بالحدث الكبير الذي تزامن مع وجودي.. فقد اختطفت «الألوية الحمراء» ـ منظمة إرهابية ـ رئيس وزراء إيطاليا في ذلك الوقت السيّد «ألدو مورو»، وذهب ضحية صراع سياسي انتهى بالعثور على جثته في «شنطة» سيارة بأحد شوارع روما..
كيف بالله عليك لمن نشأ على الخوف من «الكلاب الضالة»، التي كانت تمثل ظاهرة لا يستهان بها في شوارع جدة، ألا يصعقه هذا الحدث المرعب الذي تزامن مع مقدمه الميمون؟
كنت أظن أن الثروة أو الانتماءات السياسية هي التي تغري الآخرين بقادم من بلاد «البترول».. وظننت أن القوم سيكونون فيّ من الزاهدين، وإن كانت هيئتي المزيفة تنبئ عن هيبة وخيلاء تشغل الطامعين عن الظفر بصيد سمين لكن هناك أيضا من ظن خيرًا فيمن شحمه ورم!
"الشّحْم".. و"الوَرَم"!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
