إن كتاب صامويل هنتنغتون الشهير »صدام الحضارت« أثار الكثير من السجالات، معظمها في الذم والتجريح، إلى حد التعمية على إيجابياته ولو على قلتها، ومنها أن مقاربة الباحث المنظر تمثل، من وجهة نظرية، بعض الفائدة من حيث إنها تبرز البعد الثقافي في الحركات الأصولية، مشخصا على وجه التحديد في المطالبة الهويتية ومقاومة هيمنة الأنموذج الحضاري الغربي الضاغط، وهما العنصران اللذان يأخذهما هنتنغتون بعين الجد في بحثه، ويسعى إلى تشريحهما والإحاطة بهما علما، وذلك حتى يتسنى له -وهذا الوجه الآخر للعملة- عرض أنجع السبل لاحتوائهما وتحييدهما. وهذا التوجه نفسه هو ما نجده مضمرا عند باحثين أوروبيين، وفرنسيين بالتخصيص، يمكن أن نذكر منهم جيل كيبل الذي يفصح عن تصوره قائلا: »إن فرضيتي العملية هي أن خطاب تلك الحركات وممارستها يحملان معنى ودلالة ليسا نتاج اختلال للعقل أو تسخير لقوى ظلامية، بل الشهادة التي لا تُعوَّض على أزمة عميقة لم تعد مقولاتنا الفكرية التقليدية تتيح حل شفرتها«.
إن هنتنغتون في كتابه ذاك اتسم، على أي حال، بنوع من اليقظة الفكرية إذ سجل ما يفيد أن البراديغم الحضاري الذي عمل به في مؤلفه سيصبح متقادما ذات يوم. وهذا اليوم، في تقديرنا قد حل الآن بمؤشرات وأفعال في الجنوب كما في الشمال، تضع وتنشر بتأن وحزم سلطات وآمالا من شأنها تطويق المخاطر التي تتهدد حياة البشر على الأرض وسلامهم. وبكلمات إيمانويل كانط (صاحب مشروع لسلام دائم استلهمته في عهدها عصبة الأمم)، نقول إن استثمار شروط إمكان ثقافة الحوار يقوم اليوم كأمر قطعي، يلزم بهذه الصفة أن ينطبع في المؤسسات العمومية والخاصة، وكذلك في الأوعاء والسلوكات الفردية والجماعية.
صامويل هنتنغتون
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
