في 25 أبريل الماضي – بالتزامن مع صدور هذا الكتاب الجديد – نظم الأستراليون والنيوزيلنديون مراسم إحياء ذكرى «يوم أنزاك» (Anzac Day) على شواطئ جاليبولي في تركيا.
ويمثل هذا اليوم من 1915 ذكرى أليمة لقوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) حيث لقي أكثر من 21 ألف شخص مصرعهم.

أما في فرنسا فيتوجه رئيس الوزراء في ذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى (1918) من كل عام لقوس النصر، حيث قبر الجندي المجهول في نهاية جادة الشانزليزيه، لوضع إكليل من الزهور تقديرا للجنود الفرنسيين الذين قضوا في الحروب. والشيء نفسه في بلجيكا وبريطانيا وغيرها من دول العالم التي اكتوت بنار الحرب العظمى، كما سماها الأوروبيون وقتئذ.
والسؤال الذي يطرحه هذا الكتاب (329 صفحة) هو: لماذا استمرت الحرب العظمى في أداء دور بارز في الوعي المعاصر إلى حد ستتنوع فيه الأنشطة الاحتفالية في 72 دولة هذا العام 2014؟ وهل صحيح أن هذه الذكرى المئوية هي نهاية لكل الذكريات المئوية، بحسب عنوان أحد الفصول المهمة في هذا الكتاب؟
الصور الذهنية
يتضمن هذا الكتاب الجديد في بابه ومضمونه مجموعة من الأبحاث والفصول المبتكرة شارك فيها 16 من كبار الباحثين في شبكة (IRNWC) للعلوم الاجتماعية والإنسانية المتخصصة في إحياء ذكرى الحرب العالمية، الأولى والثانية - Intermational Research Network for War Commemoration - حيث أصبح التعاون العلمي بين الباحثين من مختلف الجنسيات في فروع المعرفة المتعددة أمرا حاسما في إلقاء الضوء على الصراعات الدولية واستخلاص الدروس المستفادة منها.
في هذا الكتاب، يطرح الباحثون رؤية علمية جديدة في الدراسات المقارنة، وتشمل: الجغرافيا والتاريخ والسياسة وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية، في محاولة لاستجواب فكرة «الاحتفال الوطني» بالحرب العظمى عند القوى الاجتماعية والسياسية، ومنها: لماذا نتذكر الحرب العظمى الآن؟ ولماذا نحتفل ببعض الأحداث دون غيرها؟ لماذا علينا أن نحيي ذكرى الحرب العظمى في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب المحيط الهادئ؟ باختصار: ما هي «صورتنا الذهنية» عن هذه الحرب العظمى؟
1 - تساعد فصول هذا الكتاب القارئ اليوم على فهم أعمق وأفضل للأحداث التاريخية المؤثرة التي شكلت مجالا للذاكرة الجماعية، حيث تؤكد على أن الدولة لا تزال تلعب الدور الرئيس والمتجدد في (التوسط والربط) بين الذكريات الفردية والذكريات الجماعية للمواطنين، بنفس القدر الذي تصنع فيه الأحداث سواء في السلم أو في الحرب وتوجهها، وما ينبغي أن نسلط الضوء عليه وما لا ينبغي أن نتذكره أو نحتفي به!
2 - إن هذا الدور الذي تقوم به الدولة (بالضبط) في الربط بين ما هو فردي وما هو جماعي، أصبح اليوم المصدر الأول لنقد «أخطاء الدولة» عبر التاريخ، ومراجعة الأجيال بعضها لبعض، حيث أصبح الجيل اللاحق يستطيع أن يقيم الجيل السابق، وعلى سبيل المثال فإن السؤال الذي طرحه الجيل الجديد من الشباب في الغرب على هامش الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولية (1914 – 1918)، هو: إلى أي مدى ينبغي الاحتفال بهذه الحرب؟ هل الصراع والأطماع الامبراطورية التوسعية التي أدت إلى قتل وجرح وتشريد أعداد هائلة من البشر تستحق الاحتفاء؟ ما هي القيم بالضبط التي يمكن استخلاصها وتصلح كرسالة للشباب اليوم العابر للجنسيات والأوطان في القرن الـ 21؟
3 - المفارقة التي كشف عنها الباحثون هي أن الحرب العالمية الأولى كرست لفكرة الطبقات الاجتماعية (الهرمية الطبقية) والعنصرية والصراعات العرقية - الدينية ومختلف النزاعات الدولية منذ أوائل القرن العشرين، ومن ثم هل المطلوب من إحياء هذه الذكرى هو تحسين صورة أوروبا في أعين الجيل الجديد أم تقديمها كما هي بكل عيوبها وأخطائها؟
هل يسلط الضوء على «الصورة الذهنية» (الجميلة) للحرب كما رسمها الشعراء وصورتها أفلام السينما والبرامج المتلفزة، أم بشاعة ما حدث من خراب ودمار؟
ولعل هذه التساؤلات هي التي دفعت الحكومة البريطانية وكبار الشخصيات لمعالجة هذا الأمر مبكرا لئلا تتورط أمام جيل جديد يمتلك التكنولوجيا والمعلومات والميديا ويستطيع أن يقوقل ويغربل كل شيء، ونادت بالدقة والموضوعية في تقييم الماضي بكل عيوبه. وهو ما أثار الجدل المسيس والشرس بين فريقين من المثقفين في بريطانيا وانخرط فيه وزير الدولة للتعليم مايكل جوف الذي اتهم الأكاديميين اليساريين بنشر أساطير مغلوطة ومفرطة في التشاؤم عن الحرب العظمى تسعى للتقليل من التضحيات التي قدمتها بريطانيا منذ مئة سنة، ما يعني انتصار النزعة التشاؤمية في تفسير التاريخ.
الحرب بين قرنين
إلقاء الضوء على الاستمرارية والانفصال في التاريخ والتوترات الاجتماعية والتناقضات الكامنة في صلب المجتمعات الغربية لا سيما في أوروبا الغربية وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب المحيط الهادئ، فضلا عن العلاقات المتبادلة والمتبدلة بين «الأمة» و»التاريخ» وذكرى الحرب العظمى، تهدف في المقام الأول إلى تجاوز الماضي وصولا إلى مستقبل أفضل للعالم الغربي.
لكن المشكلة كما يطرحها جون هاتشينسون هي: صعوبة الاحتفال بهذا الحدث الفريد للذكرى المئوية للحرب العظمى دون الرجوع إلى خلفيتها!
ربما كانت طقوس الاحتفال هذا العام 2014 بالذكرى المئوية في (72) بلدا في العالم، فرصة ذهبية للتعرف عن كثب على التضحيات الكبيرة والتكلفة الباهظة التي تكبدها الأوروبيون والعالم، بفعل الحربين العالميتين فلا يعيد الأوروبيون الكرة للمرة الثالثة! كلما احتفلوا « بيوم أنزاك « – Anzac Day !


الكتاب: «الأمة، الذاكرة وإحياء الحرب العظمى: استحضار الماضي في أوروبا، أستراليا ونيوزبلندا» (ذكريات ثقافية)
Nation, Memory and Great War Commemoration
المؤلف: Sumartojo, Shanti / Wellings, Ben
شانتي سومارتوجو وبن ويلنجز - نيويورك: 2014