انشغلت الأوساط السياسية في واشنطن ووسائل الإعلام الأمريكي وبعض العربي، خلال الأسابيع الأخيرة بالكتاب الجديد الذي أصدره الكاتب الأمريكي اللبناني الأصل وليد فارس بعنوان »الربيع المفقود: السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ومحاولة وقف التدهور«.
وكتب عن الكتاب الذي يقع في 250 صفحة من القطع الكبير، المعلقون في شبكتي « فوكس نيوز» و»سي إن إن» منهم الخبير العسكري الكولونيل ريج فرانكونا الذي رأى أن «هذا الكتاب ضروري للقادة العسكريين والسياسيين والإعلاميين لفهم التطورات في الشرق الأوسط».
أما مستشارة الأمن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان كيتي ماكفورلن فقالت: فارس الذي تنبأ بما حدث قبل الربيع العربي، يخبرنا في كتابه الجديد بما يمكن أن يحدث في المنطقة لسنوات مقبلة.
وهذا ما أكدته عضو لجنة الاستخبارات في الكونجرس سوزان مايرك بقولها إن «ما كتبه فارس يساهم في فهم أعمق بالمنطقة، لأننا وضعنا الأصبع في المكان الخطأ في السياسة الخارجية لا سيما إيران وجماعة الإخوان المسلمين.
الفشل الأمريكي
و»الربيع المفقود» هو استكمال لتنبؤات فارس السياسية التي حققت نفسها بنفسها، منذ كتابه السابق عام 2010، وهو يرتكز على خبرته الطويلة في قراءة المنطقة وفهم عقائدها وإيديولوجياتها واستراتيجية نخبها، وبنوع خاص هو فهم دقيق لمشاعر مجتمعاتها المدنية وتطلعاتها وأحلامها، عبر متابعة وتحليل للحوارات والنقاشات على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما سمح له أن يرى ما لم تره الأجهزة التحليلية في أمريكا.
3 ظواهر تتحدى أمريكا
في خريف 2010 حدثت تغييرات كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، باتت تشكل تحدياً هائلاً للسياسة الخارجية الأمريكية، أجملها فارس في ثلاث ظواهر:
- 1 - انتفاضة المجتمعات المدنية بصرف النظر عن نجاحها من عدمه.
- 2 - السباق المحموم بين قوى المجتمع المدني (الليبرالي) وقوى الإسلام السياسي.
- 3 - حروب أهلية في دول ما يعرف بالربيع العربي، كسوريا وليبيا، حيث فشل المجتمع المدني في إيجاد حل.
فشل ثنائي
أما في كتابه الجديد «الربيع المفقود»، فيواصل ما بدأه من رصد للظواهر والتحليل للحاضر والمستقبل، إذ فشلت ثورات ما يعرف بالربيع العربي، والسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة أيضاً.
ويحصر فارس الفشل الأمريكي في مواجهة تحديين رئيسيين:
1 - صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وتونس وجزئيا في ليبيا، ومحاولة اختراق شبكات السلطة في دول أخرى.
ويحمّل المؤلف مسؤولية ما حدث لإدارة الرئيس باراك أوباما لـ»اللوبي الإخواني» نتيجة لتصاعد نفوذه السياسي في واشنطن، وهو ما أثر في توجهات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
ويؤكد فارس في كتابه، أن القوى المدنية في هذه الدول التي سيطر عليها قوى الإسلام السياسي الراديكالي، انتفضت وستستمر في عملية التغيير السياسي حتى تتمكن الأكثريات الصامتة والمعتدلة، لا سيما في مصر وتونس، من الانتصار لقيم التعددية والاعتراف بكل مكونات شعوب المنطقة على الصعيد القومي والثقافي والاجتماعي.
2 - محاولة النظام الإيراني استغلال ما يسمى بالربيع العربي لكي يمدد نفوذه على أوسع نطاق ممكن في المنطقة، لا سيما العراق ولبنان وسوريا، وأن يبسط سيطرته عبر تدخله في البحرين وشرق السعودية وشمال اليمن.
وهنا أيضا يحمل المؤلف إدارة الرئيس أوباما المسؤولية كاملة، بل ويتهمها صراحة بأنها تواصلت مع نظام «الملالي الخميني» في طهران منذ اليوم الأول لوصول أوباما للبيت الأبيض عام 2009، بدلاً من التواصل مع المجتمع المدني الإيراني الذي يتوق للحرية والتغيير.
ويضرب المؤلف مثلاً بالرسالة التي وجهها أوباما إلى مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي في يونيو 2009، داعيا النظام الإيراني إلى حوار بين «الند والند» على الرغم من العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على النظام الإيراني منذ عقود.
ويقارن فارس بين سياسة المهادنة مع نظام الملالي بموقف أوباما من الثورة الشعبية الإيرانية والمظاهرات التي عمت طهران وغيرها من المدن الإيرانية، التي استغاثت بالعالم الحر، لا سيما الولايات المتحدة للإطاحة بالفاشية الدينية في إيران.
ويكتب فارس: تخلي إدارة الرئيس أوباما عن هذه الثورة الشعبية الإيرانية (اللاعنفية) والمدنية، تسبب في انهيارها وفي قمع السلطات هناك للشباب، وأخيرا في خسارة فادحة لفرصة التغيير الذهبية في إيران.
وفي موضع آخر يكتب: لو وقف أوباما مع الشعب الإيراني ولو بكلام مثيل لما قاله الرئيس الأسبق ريجان لجورباتشوف في 1989 والذي دعاه لإسقاط الفصل في برلين، لكان الشعب الإيراني انتفض وأسقط النظام الإيراني، وبالتالي أتاح للمجتمع الدولي أن يربح نصف الحرب على الإرهاب بين ليلة وضحاها.
النتيجة التي يخرج بها فارس هي أن ضياع هذه الفرصة في عام 2009 أدى إلى ضياع الفرص تباعاً، والفرصة الأكبر جاءت عندما انفجرت الحركات المدنية في العالم العربي عام 2011، حيث قام النظام الإيراني المتشدد بالعمل على إهدار فرص التغيير في سوريا والعراق ولبنان.
ويقول: دعم طهران لنظام الأسد الدموي في سوريا وعدم تحرك إدارة الرئيس أوباما في الوقت المناسب منذ الشهر الأول لانتفاضة الشعب السوري أضاع كل إمكانية للتغيير السلمي داخل سوريا، مما أدى إلى انفجار الحرب الأهلية المأساوية التي لا يوجد أي أفق لها، فقد اندثرت المظاهرات الشعبية اللاعنفية وتدخلت إيران وحزب الله في المواجهة بكثافة، واستغلت القاعدة هذا الظرف لكي تخرق المعارضة السورية وتجعل البلاد ساحة للمواجهة بين ارهابين: الإرهاب المدعوم إيرانيا، وإرهاب داعش وجبهة النصرة.2014
اللوبي الإخواني الإيراني واتجاه النفق
يؤصل الكاتب وليد فارس لمكمن الخطأ في السياسة الخارجية الأمريكية، بالإشارة إلى تعاظم ما سماه بـ «اللوبي الإخواني – الإيراني» داخل أمريكا، وهو عبارة عن مجموعات ضغط قوية وذات تأثير مدعوم بالكامل من قطر. المؤلف يحلل ظاهرة «اللوبي» منذ كتابه الأول وبتوسع كبير في كتابه الجديد «الربيع المفقود»، قبل أن توضع جماعة الإخوان المسلمين على لائحة الإرهاب عربيا، وتسمية قطر كدول ممولة لهذا اللوبي في واشنطن.
لكن المؤلف ينقلنا إلى المستقبل الواعد في الفصول الأخيرة من الكتاب، إذ لا يزال من المؤمنين بإمكان التغيير الكبير وهذا الإيمان يستند إلى محورين:
1 - أن تتغير السياسة الأمريكية كما حدث مع مصر مؤخرا أو أن يكون هذا التغيير السياسي في الشرق الأوسط، نتيجة للانتخابات الأمريكية في الخريف المقبل (التجديد النصفي للكونجرس) والانتخابات الرئاسية في 2016.
فإذا تغيرت سياسة واشنطن تجاه المنطقة فستصبح الحظوظ أكبر في مواجهة التمدد الإيراني وضغوطات اللوبي الإخواني، حيث يقل بالتدريج تأثيرهما الضار على مصير المنطقة.
2 - حتى لو لم تغير واشنطن من سياساتها فسيكون التطور الطبيعي لشعوب المنطقة وبعض نخبها فاعلا وحاضرا. فإذا نظرنا إلى عمق المشاعر والتأملات لدى قطاعات واسعة في المجتمعات المدنية سواء كانت عربية أو إيرانية أو تركية أو من الأقليات، فسنرى بوضوح أن ما كان يعرف بـ «الأكثريات الصامتة» باتت الآن أقل صمتا.
وهو ما رأيناه في مصر على سبيل المثال في 30 يونيو 2013، وهي أول ثورة شعبية هادرة، نجحت نجاحا باهرا في صنع التغيير وإجبار المؤسسات نفسها في مصر على أن تغير نفسها. والمفارقة هنا، أن من صنع هذا التغيير ليس الأحزاب السياسية ولا المؤسسات الرسمية، بل الإنسان المصري العادي والبسيط. وعندما ننظر لما حدث في تونس وليبيا ولبنان والعراق ولو جزئيا، وتمعنا فيما يجري في تركيا ولا يزال يجري ولو تحت الأرض في إيران، لتأكدنا من أن التغيير للأفضل آتٍ لا محالة. وحسب تعبير المؤلف: لا يزال النفق صعبا، ونحن لا يهمنا أن نكون داخله بقدر ما يهمنا أن نكون في الاتجاه الصحيح.
الكتاب: «الربيع المفقود: السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ومحاولة وقف التدهور».
المؤلف: الدكتور وليد فارس، مستشار الكونجرس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والإرهاب، أمين المجموعة النيابية الأطلسية لمكافحة الإرهاب، وتضم أعضاء في الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي، أستاذ العلوم السياسية في عدد من الجامعات في واشنطن بينها جامعة الدفاع الوطني التي يشرف عليها البنتاجون.
للمؤلف مجموعة من الإصدارات المهمة منها الكتاب الذي تنبأ بما يسمي «الربيع العربي» عام 2010.
دار النشر: macmillan Palgrave - نيويورك،

