افتخرت الحضارة الغربية دائماً بأنها تعلي من كرامة الإنسان بغض النظر عن لونه وعرقه وفقره وغناه. ولا ننكر أن هناك أمثلة عديدة تدل على صدق هذه المبادئ خاصة في التعامل المجتمعي. أما التعامل الحكومي فالصورة كانت وما زالت أكثر عنصرية وأبشع ظلماً. فعندما بدأت أوروبا وأمريكا في بناء شبكة السكك الحديدية في منتصف القرن الماضي وفرت لذلك أموالا طائلة كأجر لعمالتها ومكافآت إضافية لسرعة الإنجاز وكفاءة الأداء «وهذا حق لا ينازع للعمال» وفي نفس الوقت كانت فرنسا تنشئ خطا للسكك الحديدية بالكونغو من مدينة برازنيل وحتي الرأس السوداء والعجيب أن الأموال التي استخدمت كانت تقريبا كأجور للضباط والموظفين أما إنشاء الخط فكان بأيدٍ عارية وسياط تلهب الظهور لا أجر ولا مال والنهاية آلاف من الأفارقة يموتون تحت نيران الشمس المحرقة. وعندما أرادت القوى الاستعمارية إنشاء مطار امباكاس الجوي بنيروبي عاصمة كينيا، لم تستخدم آلة واحدة للحفر أو البناء وسخر عدة آلاف للعمل بأيديهم لحفر مليون طن وتمهيد نصف مليون طن من الحجارة حتى إنه قيل إن مطار امباكاس هو المطار الوحيد في العالم الذي بني بأيد عارية وبدون أجر. وفي قناة السويس استشهد ما يقارب مئتي ألف مصري وهم يحفرون بالجواريف وأيديهم العارية هذا المجرى المائي الذي خططت له أوروبا حتى تحكم سيطرتها العسكرية والاقتصادية على العالم. نعم، كان الاستغلال الإنساني هو أحد الأسس التي بنت عليها الحضارة الغربية تفوقها وسيادتها على الأرض وهذا من حقها. وما ليس من حقها أن تدعي إنسانية وعدلاً وإنصافاً ضاعت كلها مع دماء وأشلاء الملايين من البشر تحت سياط الظلم والقهر والقوة الغاشمة. والأسوأ من كل ذلك أن هناك الكثير من ذلك ما زال يحدث هنا وهناك بأسماء مختلفة ومبررات جديدة.