تتبع عميد الأدب العربي طه حسين القصاصين والمسرحيين، وفيهم طبعا كتّاب الرواية، كتوفيق الحكيم ويوسف السباعي ونجيب محفوظ ويحيى حقي، وأخذ على بعضهم جنوحه إلى استخدام العامية، وقد عاتبهم على ذلك حتى في لغة الحوار التي يرى كثير من الكتاب أن تكون واقعية كما يتكلم الناس على سجيتهم، غير أن طه حسين ـ رحمه الله ـ كان ملكيا أكثر من الملك - كما يقال - في التزام الفصحى، ومن يرى حواراته في قصصه هو رغم أنها تدور بين شخصيات ريفية بسيطة ليس لها حظ من التعليم والثقافة يجد أنها بلغة فصيحة رزينة، حتى لا تدري هل هذا فلّاح يتشكّي في حضرة العمدة، أم حاجب بن زرارة يتكلم في حضرة كسرى ملك فارس! لقد كان العميد يؤازر الفصحى ويرقبها في كل نقداته ومراجعاته لأعمال النابتة من الكتاب والأدباء والشعراء، حتى غدا في الأخير من سدنة اللغة وحرّاسها، ألم يصبح عضوا عاملا ثم رئيسا لمجمع الخالدين، مجمع اللغة العربية بالقاهرة؟
كما أن التأثير القرآني واضح في أسلوب طه حسين، ومن يقرأ أيا من كتبه سرعان ما يلمس هذا الأثر، ولا غرو فقد حفظ طه حسين القرآن الكريم صغيرا وعلِقت أساليبه بواعيته وتجذرت فيها، فظهرت ثمارها على سيال قلمه عندما شب عن الطوق ودخل عالم الكتابة والنشر.
وفضلا عن الأدب والقصص كتب طه حسبن في التاريخ، وله في هذا كتب سائرة مثل (الشيخان) عن أبي بكر وعمر، و(الفتنة الكبرى) بجزأيه عن عثمان وعن علي وبنيه. وهي كتب تكشف عن معالجة ثاقبة للحدث وتحليل عميق للأسباب والعلل والتغيرات التي طرأت على مجتمع صدر الإسلام مع الزمن فنجم عنها تلك الأحداث، غير أن الذي يؤخذ على طه حسين هنا هو إعجابه ببعض الروايات التاريخية وقبولها دون تمحيص، ناهيك عن إعراضه عن بعض الروايات المقبولة ورفضها لأسباب انطباعية غبر مقنعة، مثل رفضه للروايات التي تتهم ابن سبأ بتدبير أسباب اﻻختلاف، وترديده بل واحتفائه بالرواية التي تدور حول ابن عباس وبيت مال البصرة، ولكنني أرى أن معالجته للأحداث بمجموعها مثيرة حقا للاهتمام، وتدل على استبطان عميق للأحداث وفهم للتطورات التي تؤثر في نفوس الناس وتغير في سلوكهم وتغير مجرى التاريخ، لكن يجب أن نعلم هنا أن طه حسين لا يكتب التاريخ بقلم المؤرخ الذي يتوقى ويتحرى ويحتاط، وإنما بقلم الأديب الذي يريدك أن «تعيش الحدث» وتتحسس أسبابه التي كانت وراء حدوثه، أي أنه يجعلك تعيش في سياق الحدث حقا، فتستمتع أيّما متعة بتتبع خيوط القصة وقراءة بنود القضية وأنت على علم ركين بتفصيلاتها.
بقي أن أشير إلى نقطة مهمة في كتابة طه حسين، وهي أمر ملحوظ في أسلوبه، ألا وهو ميله الشديد إلى الإطناب، فهو لا يضيق بشيء كما يضيق بالإيجاز والاختصار، ولهذا فإن قارئ طه حسين في جهد جهيد حقا، ويحتاج أن يكون طويل النفس في القراءة، يحتمل المسافات الطويلة، ويحتمل الإسهاب والتطويل، ذلك أن طه حسين لا ينفك يقدم بين يدي موضوعه تمهيدا طويلا قد يبدو للقارئ ليس بذي غناء للفكرة، ولكنه في نظري يزيدها رسوخا وقوة، كالأساس الذي يوضع للبنيان. وقد التزم العميد هذا السنن في أعماله النقدية، وفي كتبه القصصية أيضا، وهذا وإن كان مقبولا نوعا ما في كتبه النقدية والتاريخية، إلا أنه - أعني التمهيد والتطويل- قبل الدخول في القصة أمر مزعج حقا للقارئ، لأن هذا القارئ قد أخذ الكتاب بقوة ليدخل وشيكا في صلب القصة، لكن الذي يحدث أن العميد – لولعه بالتطويل- يأخذ القارئ في مقدمات منطقية يعلل فيها مثلا لماذا يتوجب عليه أن يمنح أبطال قصته أسماءً ليكون لهم حظ في الوجود! حدث هذا في قصة (ما وراء النهر) التي توقف عن إملائها ولمّا تكتمل، وأنت واجد مثل هذا أيضا في قصص( المعذبون في الأرض)، حيث يدخل الكاتب في تعليل مباشر، بل في خطاب إلى القارئ يبين فيه ما يسوغ له في الفن القصصي من أساليب وما لا يسوغ، طبعا القارئ يتساءل هنا بالضبط أهو يقرأ قصة أم يقرأ مقالة في النقد؟ وهذا يدل على أن العميد ـ رحمه الله ـ كان يكتب القصة بقلم الناقد الواعي اليقظ، وليس بقلم القاص الفنان الذي ينطلق على سجيته وينخرط مباشرة في تداعيات الأحداث ونتائجها.
ولكن رغم ذلك يظل لقصص العميد نكهة خاصة يجدها مريدو الفن الخالص، ففيها لغته الجزلة الفصيحة التي تعكس الأساليب العربية الأصيلة، ولاسيما أنه قد تمثل تراث العربية العظيم، واستوعب جميع مؤثراتها الفنية. ولكلّ ما سبق أقول: ما زال طه حسين حاضرا بيننا في كتبه وقصصه وجميع أعماله، كما أنه ما زال حيا بأسلوبه الذي ما زال يعكف على قراءته جمهور من عشاق الأدب واللغة والأسلوب الرائق الجميل.
وختاما، ما أحرانا أن نعود إلى الأساليب الجميلة التي علقت في أذهاننا من نثر رواد النهضة الأدبية الحديثة، خاصة في ظل هذه الفترة التي عكّرت فيها أساليب الترجمة صفاء العربية ونثرها الأصيل، الذي لم تزده القرون إلا إشراقا وازدهارا ونماء.
الأبعاد الغائبة في أدب طه حسين
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
