في ثقافتنا الحديثة حلقة مجهولة لا نستبين لها معالِمَ فيما انتهى إلينا مِنْ تاريخ، على أنَّ ذلك العهد ليس بعيدًا فنعجز عنْ تقصي أثره، ولا مهجورًا فتشحب معالمه، إنَّما هو قريب منا، لم يبلغ قرنا من الزمان.
ولو كانت الكتابة عن تاريخ هذه البلاد عزيزة شحيحة لهان الأمر، ولكننا نقف على قدر صالح مِنْ كتب الرحلات والمذكرات لرحالين ومغامرين وساسة، تحفل بألوان مختلفة للحياة في مدن الحجاز، وتكاد لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أثبتتها، ومع كل ذلك لا نقرأ في تلك الكتب، وبعض مؤلفيها أديب وكاتب، ما يجلو لنا شيئا من تاريخ الأدب في هذه الناحية من الجزيرة العربية.
نعم. نقرأ في كتاب «ما رأيت وما سمعت» لخير الدين الزركلي شيئا حسنا عن الصحافة، وصحيفة «القبلة»، وشغف الشريف حسين بن علي بها، لكننا لا نقرأ لديه، وهو أديب وشاعر، ما يميط اللثام عن نشأة الأدب الحديث في الحجاز، ولم نقرأ في كتابه الذي يعد مرجعا مهما للشعر العامي البدوي - إلماحة إلى أولئك الأدباء الشبان الذين تعلقوا بتيارات الأدب الجديد في مصر والمهجر.
وكما لم نجد أثرا للأدب الجديد لدى الزركلي، فإننا نخرج من كتاب «ملوك العرب» لأمين الريحاني، وكأن مدينة جدة التي نزلها سنة 1343هـ، كانت خلوا من أي أثر للثقافة الجديدة في قلوب شبانها، والعجيب أن الريحاني كتب كلاما مهما عن اجتماع لأعيان جدة، اتخذوا ناحية منها للرياضة الروحية، فيما عرف بـ»نادي الصلاة» – ومع ذلك لم يشر، وهو الشاعر الكاتب الناقد، أدنى إشارة إلى أن لشبان جدة عناية بالأدب الجديد، أو بالشعْر المنثور الذي كان الريحاني من أعلامه الكبار، وربما اتسع الفرق في رحلته إلى العراق، في ذلك التاريخ، فرحلة فيلسوف الفريكة إلى بغداد، نقرأ فيها قدرا صالحا من تاريخ الثقافة والأدب والشعْر في عاصمة الرشيد، بل إننا نقرأ فيها تاريخا طريفا لأدب القهاوي في بلاد الرافدين وعمق اتصاله بالسياسة وصروفها، فربح البغاددة، حين قيد جانبا من ثقافتهم وخسرنا!.
حلقة مجهولة
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
