تعتبر الصورة من أقدم وسائل الاتصال التي عرفها البشر في عصوره المختلفة، فهي أول ما لجأ إليه الإنسان الأول للتعبير عن نفسه وأفكاره. اتخذت الحروف في اللغات القديمة كاللغة الهيروغليفية أشكالا من الطبيعة المحيطة بالإنسان من طيور وحيوانات وأشجار وغيرها. وبسعيه الدؤوب تمكن الإنسان من صقل موهبته إلى أن وصل إلى رسمها على شكل لوحات فنية رائعة.
لكلٍّ منا ذكرياته الخاصة حول ما تحويه ألبوماته من صور وقد يصل شجو هذه الذكريات إلى الدرجة التي ترفع من قيمة تلك اللحظات الشاردة المقتنصة، وغالباً ما تتمتع الصورة بطابع سحري هو نفس الذي أكسب الصورة اليدوية في العصر القديم طابعاً مقدساً لخدمتها الديانات القديمة، فقد زينت الصور جدران المعابد وجدران قصور الفئة الأرستقراطية في تلك المجتمعات.
ويزيد من روعة صورنا التوقيع الذي يُكتب بإهمال وبراءة شديدين مكوناً من محتوى الصورة: المكان، الزمان، الأشخاص ومناسبتها وتعليق قد يكون عادياً جداً ورتيباً حتى لو كانت الصورة في منتهى الشاعرية، ووفقاً لهذه العناصر تكتسب الصورة قيمة إضافية بمرور الزمن.
نظرتنا إلى الصورة هي التي تحدد قيمتها الفنية، كيف نراها من خلال عين المصور المبدع الساحرة، وليس القصد هنا هو أي رؤية، بل لا بد أن تكون الرؤية نابعة من وعي لحظتها والتي هي لحظة التفاعل بيننا وبين محتوى الصورة التي نقف مشدوهي النظر أمامها فالصورة أياً كان نوعها تظل مصدراً للإثارة والفضول على مرّ الزمن.
عندما تم اختراع الكاميرا في نهاية القرن التاسع عشر، جاءت الصورة الفوتوغرافية وهي تحمل صفة المطابقة والمشابهة فاحتفظت بجمالية الأصل ووثقت له لأنها تملك كمّاً هائلاً من المعلومات عن المكان والزمان والفضاء الإنساني فمال الناس إلى تقبلها أكثر من اللوحة. ونحن اليوم في زمن الصورة الرقمية ونسبة لانتشار المدّ التقني الجارف، الواقعي والافتراضي فقد صارت الصورة عنصراً هاماً في عملية التواصل الإعلامي والإبداعي والثقافي والاجتماعي. فرضت هذا الواقع طبيعة تطور العصر التقنية في مجال وسائل الاتصال، فهي تعكس كل اللحظات في حياة الشعوب من أعياد، ومهرجانات واحتفالات، مثلما تسجل الكوارث والفواجع والأحزان، فكم من ضحكة أخاذة وصلت رسالتها عبر صورة، وكم من دموع تجمدت على مآقي أطفال الحروب والنزاعات وأثّرت في الجوارح أيضاً عبر صورة.
ومثلما هي جميلة وأداة للتواصل الجميل والنقي، يمكنها أن تتحول إلى أداة وسلاح فتاك إذا استخدمها ضعاف النفوس لأغراض سيئة أقل ما فيها التشهير والابتزاز والانتقام. والأسوأ أيضاً بفضل التقنيات الحديثة وبرامج الفوتوشوب وغيرها تحوّل كثير من الصور الأصلية إلى مزيفة لأغراض شتى سواء أكان للاستهلاك الإعلامي أو التجاري والترويجي.
لا يمكننا الرجوع إلى عصر الكاميرا العادية فالزمن يتسارع ومن يلتفت خلسة يتعداه الزمن، ولكن بالإمكان الرجوع إلى زمان الصور الجميلة بأخذها من بعدها الإنساني لأنّ الصورة من هذا الجانب تكون مقروءة أكثر من غيرها وأسرع وهي تساوي ألف كلمة كما يقول المثل الصيني. لا تحتاج الصورة إلى ترجمة فتأثيرها البصري واحد على مختلف أجناس البشر ومختلف ثقافاتهم، وهي مصدر ثقة للقارئ قي مجال الصحافة مثلاً لأنها الأصدق عادة وتتفوق على القصة المكتوبة أياً كان نوعها. أجمل الصور في حياتنا هي الصور العفوية البسيطة غير المتكلفة والمعقدة لأنّها تعتمد على لحظة صدق مع الأدوات والأشياء والكائنات المرئية. فإذا وقفت أمام مصور وراقبته تراه من خلف عدسة التصوير يتحرك ويبحث عن زاوية وتوقيت معينين، كي يتخذ قرار تجميد اللحظة التي قد تجيء أجمل من توقعاته. وعندما يطمئن المصور إلى مشهد ما، يضغط على الزناد ليوقف الزمن موقّعاً على هذا النص البصري الذي أمامه مضيفاً أبعاداً جمالية أخرى. ولا تختلف الدهشة عمّا إذا كانت الصور لشخص أو لواقع الحياة اليومية، فهي تظل خارجة عن المألوف لأنّها مزيج من عالم الحقيقة والخيال.

[email protected]