لا أقصد سجلا لأخطاء البعض في حق الوطن الذي نشؤوا فيه آمنين على أنفسهم وما يملكون، ثم تنكروا وأعلنوا على الأشهاد نكرانهم، بل خياناتهم، وترجموها على الأرض بسوء ما يقولون ويفعلون، واستعصى في النهاية -وقد أصروا على طغيانهم واستعذبوا منزلة التائهين المارقين- إصلاحهم بالنصح واللطف واللين. كما لا أقصد سجل أخطاء المتطرفين الذين سعوا، وخاب مسعاهم في تحويل المجتمع السعودي من مجتمع فطري متسامح إلى مجتمع مأزوم يكاد أن يكون مقسوما على معسكرات مذهبية لها فروع.
أيضا لا أقصد سجلا لغسل الأخطاء التي يرتكبها البعض ممن ساقت بهم الأقدار إلى المراكز الوظيفية العليا وكأن مهمتهم تغذية مشاعر السخط وإيغال الصدور بالضغائن.
ولعله من المناسب أمام هذه الجزيئة أن أروي لكم قصة بسيطة أحسبها من «فئة التطرف الإداري» وأعتقد أنها ثقيلة وستطارد صاحبها وتبقى في ذمته حتى يحل أمرها، وليته وقد غادر الموقع وهو محمل بوزر تداعيات القصة، أن يفعل شيئا يرفع الضرر الذي أحدثه، وسيبقى حملا ثقيلا عليه عبر التاريخ ما لم يتدارك نفسه.
القصة باختصار أن مسؤولا رفيع المستوى وظيفيا اعتمد ترتيبات إدارية مشوهة ليكون بطل المشهد ويزايد بتلك التشوهات في المحافل تحت ضوء الفلاشات التي «ثارت معه وثارت عليه في الأخير وكشفت أمره». وخلاصة القصة تتمثل في اعتماد سلم وظيفي محشو بالعلل القانونية التي لن يسلم من تبعياته الجهاز الذي جثم عليه لفترة، ومنها أنه لم يستوعب السلم الذي قبله والمعتمد «بأوامر سامية» وبهذا الخلل بقي عدد من الموظفين خارج السلم بلا علاوات دورية أو ترقيات، ولتغطية الأمر بعد انكشاف العورات اعتبرت مرتباتهم زائدة عن السلم الجديد ولا حل سوى بقائهم على ما هم عليه مجمدين وظيفيا حتى مغادرة مواقعهم «على المعاش»، وكان لا بد من خطف تأييد صاحب الصلاحية العليا لإغلاق الطريق على أي استفسار أو تظلم، وفي هذا من التدليس ما يروع ويفزع ويحبط. والسؤال الذي عجزت أن أجد له إجابة: لماذا فعل كل هذا؟.
اللافت للنظر أن كل ما كان يزعم أنه إنجاز وتطوير انتهى بقضايا حقوقية بعضها حسم لصالح العاملين وبعضها الآخر في الطريق، ومن الطبيعي أن ينتهي لصالح العاملين وجلها بدلات طبيعة عمل لا يوجد ما هو أغرب من حجبها وهي من هبات الدولة ورمز من عطاياها لمن هم بالفعل أهل لاستحقاقها، والمصيبة أن هناك ما هو أدهى، وبعضه منشور في سلسلة مقالات تحت عنوان «مخبر سري مضيع العنوان».
عموما، الخاتمة التي أحاول إبرازها بهذه المقدمة المفتوحة التي كانت بدا لا بد منه، لتسليط الضوء على جيوب المنغصات المزعجات بطريقة تمهد لربط العنوان بحالة تعاظم القلق الاجتماعي من «الأخطاء الطبية» وهو قلق ملموس والمفترض أن يقابله قلق رسمي مواز لتستقيم المعادلة. الأكيد أن الحديث عن الأخطاء الطبية حتى وإن كان مختزلا لا يستقيم ما لم يكن مصحوبا بما يجلب الأخطاء المخبرية والأخطاء الإشعاعية إلى دائرة الضوء لدواع من أهمها ما في المسألة من ترابط، فالأخطاء المخبرية وهي المتوقع حدوثها قبل وأثناء وبعد إجراء التحاليل منسية، وقلما تدور حولها النقاشات برغم أن المراجع العلمية تقول إنها «خطيرة وتحدث بصمت» شأنها شأن الأخطاء المحتملة في الأشعة بمختلف أنواعها، وهذا ما يدركه أهل الاختصاص.
في وجه العموم، كل الأنظمة الصحية تعاني من الأخطاء الطبية وحتى لا تخرج الأمور عن نطاق السيطرة «محليا» فإن الرد العملي يتشكل كما أرى في إنشاء مجلس وطني للأخطاء الطبية تشترك فيه الجامعات والمدن الطبية ومراكز البحوث، ويكون من مهامه دراسة وتحليل المشكلة ووضع الحلول المناسبة لشل حركتها وإلا تفاقمت وارتفع الإنفاق وزاد التذمر.