الحمد لله على قضائه، ونشكره سبحانه على نعمه، وأولها نعمة الإسلام، ونحمده على اليقين الذي ملأ به قلوبنا بأن «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».
وتحت مظلة هذا اليقين، فقدت في يومين متعاقبين ــ كما فقد الكثيرون غيري ــ ثلاثة من رفاق المسيرة الحياتية والمهنية: أولهم الزميل موفق فلمبان، أحد العاملين في تعليم مكة المكرمة، الذي كان له في حياته النصيب الأوفر من اسمه، فقد عرفناه موفقًا في سلوكه، متفانيًا ودقيقًا في عمله، لا يفرق بين مراجعيه أو مراجعي إدارة التعليم، فقد سخَر وقته وجهده للعمل من أجل قضاء حوائج الناس، مما انعكس على العاملين في الميدان والمراجعين للإدارة، ببشاشة لا تفارق وجهه، وابتسامة لا تبتعد عن محيَاه.
وثاني الصحاب أخي أحمد العسيس الذي تجمعني به أرومة القبيلة والجماعة، ورفقة الدراسة في ذلك الزمن الجميل. وإن كان قد فرَق بيني وبينه الزمن ــ كما فعل بالكثيرين ــ فقد كنَا نتذكر كلَما التقينا تلك الجلسات على (جون) منزله برفقة أبناء عمومته من آل القاسم بعراء، وقد كانت والدته الفاضلة عليها وعليه رحمة الله تمدُنا بأكواب الشاي النادر في تلك الأزمنة، وتروينا من قربتها الباردة في إناء نحاسي قديم.
أما ثالث الأحبة، فهو أخي طاهر الزايدي الذي امتدت إليه يد المنون لتلحقه بأبنائه البررة، تاركًا إرثًا ثقيلا من التاريخ التربوي والقبلي، والزمالة الصادقة والرجولة النادرة.
إذا ذكر اسم طاهر الزايدي في مدينة الطائف ذكر التاريخ التربوي بقديمه وحديثه، وذكرت محاسنه ومساعداته لكل من طرق بابه في كلِ شأن في ميادين الإدارة والعطاء الإنساني النبيل.
وإن كان قد تقاعد منذ أمد، لكنه عاش مع كل أحبته عبر كلِ الوسائط حتى اختاره ربه إلى جواره.
وهكذا يجيء فقد الأحبة والصِحاب جملة وفجأة، وكأن لسان الحال يطرق مسامعنا ناصحا ومنبِها:
يا من بدنياه انشغل
قد غرَه طول الأمل
الموت يأتي بغتة
والقبر صندوق العمل
اصبر على أهوالها
لا موت إلا بالأجل
وداعا أحبتي، رحمكم الله جميعًا، وعفا عنكم، وشملنا وإياكم وجميع أحبتنا بغفرانه ورضوانه، وجمعنا بكم في الفردوس الأعلى بكرمه ورحمته.
عزائي لذوي زملائي ممن لم أستطع رؤيتهم، وعزائي لكل من عرف هؤلاء الأبرار إن شاء الله، وأعاننا الله جميعا على ما أعانهم عليه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.