تدخل العسكر في الأزمات السياسية ظاهرة لا تعرفها الديموقراطيات العريقة، إنما تقتصر على الأنظمة الهشة التي تتمسح في النهج الديموقراطي لنظم الحكم. والانقلاب العسكري في تايلاند لن يكون بالتأكيد الأخير في مسلسل هذه الظاهرة، خاصة أن الجيش في بانكوك برر تحركه بالحفاظ على الديموقراطية واحترام القانون وحقوق المواطنين، وهو تبرير يناقض تماما تحركه آنيا ومستقبلا.
فحملة الاعتقالات لرموز النظام السابق، ومحاكمات وهمية لمعارضيه، وفرض الأحكام العرفية في البلاد، هي أولى الخطوات لولادة نظام ديكتاتوري يتخذ من دعوى الأمن والاستقرار سبيلا لفرض هيمنته على الساحة السياسية وإقصاء الخصوم بجدارة.
تلك الخطوات ثابتة في جميع الانقلابات العسكرية التي شهدتها نظم الحكم المضطربة في الماضي، وستشهدها الأنظمة الفاشلة في المستقبل، خاصة في شرقنا الأوسط والأقصى، ولكن لكل ظاهرة أنصارها، فقد ظهرت مؤخرا وجهة نظر معارضة لتلك المدعية بأن الانقلاب العسكري يشكل خطرا أكيدا على الديموقراطية والاستقرار، فقدّمت مفهوم الانقلاب الديموقراطي الذي يأتي استجابة لحراك شعبي ضد نظام سلطوي أو شمولي فيسقط ذلك النظام بغرض محدّد هو إجراء انتخابات نزيهة لقيادة مدنية. وغالبا، كما علمنا التاريخ، تتحول القيادة المدنية، خاصة إذا كانت ذات شخصية كاريزمية إلى قيادة احتكارية للقرار والسلطة، وبالتالي يصبح النظام الجديد في حاجة إلى تحرك شعبي أو عسكري لتغييره.
غياب الوعي السياسي، والافتقاد لمؤسسات دستورية قوية، وضعف منظمات المجتمع المدني، والابتعاد عن الشفافية في ممارسة العمل السياسي، عوامل أساسية في تفشي الفساد وانهيار القيم والعدالة في المجتمع، وبالتالي الانزلاق في أزمات اقتصادية وسياسية تعجل باستدعاء العسكر للعمل السياسي، لكن دروس التاريخ علمتنا أن الأمم لا تنهض بالقوة، إنما نهضة الأمم والشعوب تكون غالبا بالاستقرار والأمن، وتغليب المصلحة العامة على المطامع الشخصية، مع الاعتماد بصفة دائمة على الحوار كلغة وحيدة لحل الخلافات والمنازعات التي قد تنشأ بين مكونات المجتمع.
الابتعاد عن لغة الحوار له مخاطر وخيمة وأخطار كبيرة على مستقبل أي دولة، لأن القوة إذا أسيء استخدامها صارت قوة طاردة لمرتكزات التقدم والتطور الحضاري لأي مجتمع في العالم.
انقلاب تايلاند وأكذوبة الديموقراطية
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
