أشد ما سيدهش البشر المستقبليين -بعد ألف سنة- ليس البدائية التي نحيا بها نحن الآن، بل البدائية التي نموت بها.
لسنا بحاجة إلى خيال جامح لنتنبأ بقدر معقول من الثقة أن الحضارة البشرية تقف الآن على عتبة تغير كبير في اتجاه حركتها، ستكون له تداعياته على المستويات كافة؛ اجتماعيا وسياسيا وثقافيا.
فالترابط بين البشر عبر مواقع الانترنت التواصلية ليس إلا بداية لأشكال أشد جذرية من الاتصال قد يصدمنا حاليا مجرد الإشارة إليها، لكنها -وبعد بضع سنوات لا غي- قد تكون هي الواقع الذي سنعيشه إن طال بنا العمر، والواقع الذي سيحياه أولادنا وأحفادنا، ويتعاملون معه يوميا على أنه من طبائع الأشياء!
والعامل الأساسي في الطفرة التي أتوقعها ويتوقعها الكثيرون في القريب، هو تطوير الذكاء الاصطناعي، ليصبح سمة أكثر وضوحا في الخوادم الكبرى التي تتحكم في تدفق المعلومات، وتنظم حركة المرور في محركات البحث ومواقع التواصل كالفيس بوك وتويتر.. وسيرافق ذلك اتساع هائل في قدرة تلك الخوادم على تخزين المعلومات، وانخفاض مستمر في أسعارها..
وهو ما سيمكن القائمين على مواقع التواصل من توفير خيارات للمستخدمين، بعيدة الآن عن التصور، كإمكانية تخزين الشخصية البشرية بأبعادها المتعددة، وبردود أفعالها المتوقعة، وبطبائعها المزاجية...إلخ تخزين ذلك كله على خادم ذكي، يستطيع خلق نسخة شبكية الكترونية من تلك الشخصية، يمكنها الاستجابة للمثيرات، وتبني المواقف والأفكار، والرد على الأسئلة بما يتماشى مع السياق العام للشخصية الأصلية!
ما عليك حينذاك إلا أن تسمح للكاميرا بالتقاط صور ثلاثية الأبعاد لك، وأن تسجل بصوتك إجاباتك على الأسئلة التفصيلية التي سيطرحها عليك الخادم الالكتروني الذكي لموقع فيس بوك أو تويتر.. وأن تحدد اختياراتك بشأن حدود الصلاحيات التي تمنحها لشخصيتك الالكترونية على الشبكة..هل بإمكان نسختك الشبكية أن تتعلم من تجاربها الذاتية وأن توسع أفق معلوماتها، وأن تتفوق عليك أنت شخصيا معرفة ودراية وحكما على الأمور وموقفا من الحياة؟! أم أنك تفضل أن يكون تطور شخصيتك الالكترونية الشبكية تلك مربوطا بتطورك أنت حتى لا تنشأ بينكما مشاعر سلبية من قبيل الغيرة والحسد!
تستطيع إذن تلك الشخصية الشبكية المخزنة في الخوادم الذكية أن تحل محلك في التفاعل مع أصدقائك على تويتر والفيس بوك.. وستكون ردودها مبنية على ملامح شخصيتك أنت، وهكذا لن تفاجأ حين تقرأها في صباح اليوم التالي، لأنك ستظن أنك صاحب تلك الردود، رغم أن الكمبيوتر هو الذي كتبها، أو حتى قالها بصوت يماثل صوتك تماما، وربما بملامح وجه وبتعبيرات هي ملامحك وتعبيراتك أنت، لكن الحاسب الذكي العملاق هو الذي أنتجها، بناء على مقاييس شخصيتك المخزونة في ذاكرته الشاسعة..
الآن نأتي للسؤال العجيب!
ما الذي سيحدث للشخصية الالكترونية المخزنة في خوادم الفيس بوك أو تويتر أو غيرهما من المواقع الكبرى حين يموت الأصل؟ هل ستكون تلك الشخصية المستنسخة من إنسان رحل عن الحياة ملكا لتلك المواقع أم ملكا للورثة أم ملكية مشاعية عامة؟ وهل أستطيع أن أوصي باستمرار تلك الشخصية المستنسخة عني في الحياة الالكترونية على الشبكة للأبد بعد موتي؟ وهل سيصبح مستساغا لأولادي أن يطلبوا النصح الأبوي من شخصيتي الالكترونية المخزونة بعد رحيلي عن الدنيا؟ وهل أثق في تلك الحالة في أن النصح الذي ستقدمه نسختي الالكترونية (الخالدة) هو النصح الذي كنت أنا سأقدمه (للعيال) لو أنني ما زلت على قيد الحياة، أم أن هناك احتمالات مخيفة للقرصنة الالكترونية على الشخصيات المخزنة أو لقصفها بالفيروسات بحيث يمكن لنسختي المخزنة أن تنصح أطفالي بارتكاب فعل أحمق أو بالانحراف؟ أليس هذا مرعبا؟! وكيف سيتغير مفهوم الموت حينذاك؟
هل أُعد ميتا بينما شخصيتي بكل ملامحها واستجاباتها وقابليتها للتطور حاضرة بالصوت والصورة والأفكار والقيم والمعتقدات حضورا كاملا على الشبكة؟
وهل منا من سيقاوم هذا الإغراء المستقبلي الوشيك الحدوث؛ الإغراء بالخلود هنا على الأرض، ولو في صورة نبضات الكترونية على الشبكة؟ الشبكة التي ستمتلئ عما قريب بالموتى الأحياء!

