لم تنشأ فكرة أو أيديولوجية وتتفشى في العالم إلا وتدعي أن هدفها تحقيق العدالة والحرية والاندماج الاجتماعي والرخاء والسمو الإنساني، ابتداء من العلمانية والشيوعية مرورا بالليبرالية، حتى الأيديولوجيات المتفرعة من الديانات الرساليّة تتبنى ذات الغايات السابقة بالإضافة إلى زعمها العودة إلى روح الدين الحقيقي.
لكن ما الذي يجعل بعض هذه الأيديولوجيات تفشل في تحقيق غاياتها وبرامجها؟! كذلك ما الذي يجعلها تنجح في مجتمع وتفشل في مجتمع آخر؟!
تحقيق الغاية أو الفشل في ذلك يرجع من حيث المبدأ إلى اختبارها كمشروع على أرض الواقع، وتعريفها لمفاهيم أساسية كالعدالة والحرية والحقوق. فالكل على سبيل المثال يتحدث عن الحرية بشكل مجمل، لكن قلّة من يتحدثون عن تعريفهم لمفهوم الحرية! وبالطبع تجد تعريف الاشتراكية للحرية يختلف عن التعريف الليبرالي، وحتى داخل المدارس الإسلامية تجد للحرية عشرات التعريفات المتباينة.
فالإشكالية المزمنة طوال تاريخ المجتمعات البشرية تكمن في تصور العلاقة بين دين المجتمع وأعرافه وثقافته وقيمه وبين الدولة كأداة تنظم هذه العلاقة وترعاها. إذن المشكلة سياسية بامتياز، فكما قال جورج أورويل: «كل الأمور سياسية».
العلمانية على سبيل المثال فشلت فشلا ذريعا في المجتمع العربي، ليس لأنها مستورد غربي كما يدعي الإسلاميون المحافظون، فمعظم الأدبيات السياسية في القرون المتقدمة هي أدبيات مستوردة، بل السبب أنها جاءت على غير قناعة المجتمع العربي، وتم قسر المجتمع عليها، كما ذكره المفكر برهان غليون، حيث قال: «فصل الدين عن الدولة جاء على يد الدولة قبل أن تتبناه النخب المحلية الحديثة وتدفع بجوانبه الفلسفية، واستمرارا لتطوير السياسة، استمر فصل الجمهور عن السلطة وتحرير يد الدولة من سلطة الدين آخر مرجع شعبي ووسيلة الضغط الوحيدة بين المعدمين من السلطة والعلم» فكانت الدولة عبارة عن فكرة استعلائية تزدري المجتمع وتدعي أنها متقدمة عليه وتقوده إلى التقدمية، فلم تنتم إليه وإنما أصبحت كمسخ أنكره الجميع. ولم تحتضن آماله وتطلعاته، أو تعتز بموروثه الفكري والثقافي، وهذا هو الخلل الجذري في مفهوم الدولة في المجتمع العربي، والذي جاء نتيجة استلاب فكري وحضاري، كما عبر عن ذلك برهان غليون بقوله: «مشكلة الدولة في العالم التابع أنها بلا دين ولا عقيدة». هذا بالنسبة إلى العلمانية كما استوردت إلى المجتمع العربي بهذا التصور المشوه. ولم تختلف عنها التيارات الإسلامية المحافظة التي تبنت خيار القوة لفرض أجندتها وتصوراتها على المجتمع العربي. والمجتمع بطبيعة الحال لفظ هذه الممارسات السياسية من قبل الإسلاميين والعلمانيين بكل عفوية.
بقي أن نركز على محور أساس، وهو «النظرية السياسية» وتصور علاقة الدين والمجتمع وأعرافه وثقافته وموروثه بالدولة، وتعريف المفاهيم الأساسية كالعدالة والحرية والحقوق. فالمجتمع الغربي لم يندمج بعدما كان قوميات وإثنيات وطوائف متناحرة إلا بعد أن بلور نظرية سياسية واحدة متفق عليها، وتعد إحدى أهم ثوابته.
في المجتمع العربي يجب أن تتبلور نظرية سياسية واحدة متفق عليها، وهنا ربما يقول قائل: هذا حديث ساذج، فالغالبية مؤمنة بالديموقراطية وحق الشعب في حكم نفسه بنفسه. وهنا ينبغي تأكيد أن الإيمان بالديموقراطية في المجتمع العربي لم يتعد حدود الإيمان بجدوى الديموقراطية للوصول إلى السلطة وفرض الأجندة قسرا! فالكل يحاول الارتقاء على هموم وتطلعات الشعب لفرض رؤيته الضيقة، فالذي حدث هو الانتقال من الإيمان بقوة السيف إلى الإيمان بقوة الصندوق وحسب. وما زالت فكرة «التغلب» هي هي لم تتغير، ولم ننتقل إلى فكرة التوافق. وهذا التصور المتشائم ينسحب على جميع التيارات الفكرية والسياسية والدينية في المجتمع العربي، فلا يوجد تيار ديني أو تيار فكري أو سياسي يطرح نظريته السياسية بشفافية، ولا يجرؤ كذلك على نقد نظريته السياسية المتراكمة عبر عصور من التخلف. فالكل يطالب بالديموقراطية والقطيعة مع التراث دون أدنى جرأة على تفكيك هذا التراث الذي ربما يطمح لفرضه يوما ما عبر الصندوق!