«طرح حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا نموذجاً قدمه على أنه يزاوج بين الدولة الحديثة والإسلام. ولقي هذا النموذج رواجاً عند حركات الإسلام السياسي السنية في المنطقة والجماهير المؤيدة له. وقد مهد ذلك إلى استثمار «العدالة والتنمية» حاصل الترويج لهذا النموذج، فحاول لعب دوري إقليمي ريادي يترجم طموحات النموذج الذي اصطلح عليه بـ(نيو عثمانية)». هذه كانت جزءا من المقدمة لورقة ورشة العمل المغلقة التي نظمها مركز الإمارات لسياسات في أبوظبي حول «تركيا: مستقبل النموذج والدور».
في الحقيقة أن هذه الورشة عقدت بعد أن وصلت العلاقة التركية إلى توتر شديد مع غالبية الدول الخليجية، وخاصة السعودية والإمارات، ويأتي أيضاً على خط التماس «البحرين والكويت» ومن المعروف أن الأخيرة مع شقيقتها الإمارات قامتا مؤخراً بتجميد العديد من المشروعات التي كان من المزمع تدشينها في تركيا، للضغط على أنقرة لتعديل مواقفها من ثورة الثلاثين من يونيو التي دعمتها الدولتان بالإضافة إلى السعودية ومملكة البحرين، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.
قد تكون ورشة العمل هذه من أفضل الورشات التي حضرتها، حيث جمعت متحدثين تركيين من كافة أحزاب المجتمع التركي بالإضافة إلى مجموعة خبراء عرب وخليجيين. وقد اتسمت الجلسات بالشفافية والمكاشفة الصريحة لحقيقة التمدد التركي في المنطقة من خلال مناقشة العرب والخليجيين للمتحدثين الأتراك. ومن خلاصة ما دار في هذه الورش أستطيع الجزم بأن أبعاد «التوتر» في العلاقات التركية - الخليجية قد وصل إلى فجوة عميقة تحتاج إلى قراء دقيقة، وتقييم موضوعي. وسوف أسرد بشكل مختصر نقاط الخلاف الرئيسية في علاقات الجانبين بشكل موجز:
1- طغيان التوجهات الأيديولوجية لتركيا؛ حيث اتسمت سياسات ومواقف حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بتركيا بالاعتدال والبراجماتية حيال قضايا الساحة العربية، وتطورات الصراعات الإقليمية، غير أنه بدأ خلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا بعد اندلاع الثورات العربية، يتبنى مواقف حدية تعبر عن توجهات أيديولوجية وروابط حزبية تنظيمية أكثر منها مواقف تعبر عن مصالح سياسية. وهنا نرى تركيا أكثر انجذابًا إلى الاستراتيجية الإيرانية، لتبدو أقرب ما تكون إلى «نسخة سنية» من طهران، وتحول دورها تدريجيًّا من فاعل رئيس على مسرح عمليات الإقليم إلى طرف رئيس يسعى لشرعنة تدخله في الشؤون الداخلية لدول المنطقة العربية.
2- دعم جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما خلق مشكلات عديدة على مسار العلاقات مع دول الخليج التي تنظر إلى هذه الجماعة باعتبارها تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وأنظمتها السياسية القائمة.
3- محاولة الحكومة التركية حصار مصر اقتصاديًّا من خلال وقف التعامل مع الموانئ المصرية، فيما تدفع السعودية والإمارات المليارات لإنجاح المرحلة الانتقالية بعد الثلاثين من يونيو.
4- العلاقة المميزة التركية - الإيرانية بالنسبة للخليجين «مقلقة» كثيراً حيث تُخرج تركيا من إطار الحليف المحتمل في مواجهة طهران، إلى صانع الاضطرابات والمشكلات من خلال تبني سياسات مناقضة لمواقف الدول الخليجية في العديد من الملفات الأمنية الرئيسة في المنطقة، خصوصًا أن ثمة تقارير أشارت إلى أن العديد من الشركات الإيرانية التي أسست في تركيا مؤخرًا استخدمت كواجهات لشراء مستلزمات ومواد ضرورية لمشروعات إيران النووية. ولعل التصريح الشهير لرئيس الوزراء التركي إردوغان والذي تفاجأ به الخليجيون عندما التقى مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي «نعتبر إيران بلدنا الثاني» كشف الوجه الحقيقي للتقارب التركي - الإيراني.
في الختام أقول «شئنا» أم «أبينا» هناك توجه «نيو عثماني» واضح وصريح للتمدد في المنطقة، ومنافسة شركائهم الإيرانيين سواء بحكومة إردوغان الحالية أو من سوف يأتي من بعده، هذا مشروع تركي قادم وجميع التيارات الحزبية «التركية» تسعى إلى تحقيقه، ومن هنا يجب على «مجلس التعاون الخليجي» قراءة السيناريوهات المستقبلية بتمعن للدور «التركي» القادم في المنطقة. ولعلي أشير إلى أن مركز الإمارات للسياسات خلص إلى توصيات مهمة سوف تقدم إلى دول «مجلس التعاون الخليجي» أتمنى أن تؤخذ بعين الاعتبار.

