بدأت الكتابة تاريخيًّا على استحياء، فحاولت رسم الأشياء التي تود الحديث عنها أو الإشارة إليها، فكان أصل الكتابة استحضارًا أوّليًّا للشيء، ومن ثم إلغاءً لفكرة اللفظ الذي هو وسيط ذهني وعلامة على الشيء ذاته. فالكتابة بصورتها الأولى ذكّرت بلا جدوى اللفظ إن هي استطاعت استحضار الشيء ذاته. ومن ثم فالكتابة الأولى؛ أي التصويرية، هي إلغاء للغة في حدودها الأولى القائمة على اجتراح الرمز اللفظي.

لكن غلبة اللفظ وتطوّر اللغة الذهني باتجاه الرمز صنع شيئًا أقوى من الكتابة التصويرية، فجعل الكتابة أكثر انقيادًا إليه حين حوّلها إلى الأبجدية، فصارت الحروف المرسومة تصف الأصوات المنطوقة، وصار الرمز الكتابي أكثر تعقيدًا، حين وصف الكلمة /العلامة ولم يعد يصف المدلول أو الشيء في ذاته. وهكذا تراجعت الكتابة إلى مرحلة التابعيّة للفظ، وانصهرت في مفهوم اللغة، وبذا صارت الكتابة محاكاة للمحاكاة.
فإذا كان اللفظ رمزًا اعتباطيًّا في الغالب للدلالة على شيء أو مفهوم، فإن الكتابة هي رمز لهذا الرمز. وبهذا فقد صارت الكتابة أشد تعقيدًا من ظاهرة الكلام، ونُسي مفهوم الكتابة التصويريّة؛ لأنّ الأدوات القديمة بيد الإنسان كانت بدائيّة، ولم يكن بالإمكان إنتاج عدد كبير من الصور وبأوضاع متباينة، وهكذا احتفل الإنسان احتفالاً عظيمًا حين اهتدى إلى الأبجدية، وطارت الأبجديّة العربيّة أو العروبيّة (الفينيقيّة) في الآفاق بوصفها إنجازًا علميًّا باهرًا، ولهذا نجد أنّ معظم لغات العالم تتشابه في نظام الحروف الأبجديّة لفظًا ورمزًا، وإن غابت كثير من ملامح ذلك مع الزمن أي أنّ الأبجديّة القديمة قد بشّرت بنوع من العولمة ضمن ظروف تاريخيّة ما.
إنّ ثورة الأبجديّة الأولى كانت ثورة معلوماتيّة لا تقلّ أهميّة عن الثورة المعلوماتيّة الحديثة ثورة الديجتال أو الأبجدية الجديدة؛ لأنّها قدّمت للإنسانيّة طريقة جديدة ومختصرة وقابلة للتوثيق والتداول لكلّ كلامه المنطوق. وهكذا ولّت مرحلة كانت تمرّ فيها الألفاظ مرّ السحاب وتذهب مع الريح، فتأكّد الإنسان أنّه قادر على تخليد كلامه وتوثيقه، ولم يعد عرضة للاندثار.

[email protected]