ملف الأزمة القبرصية كابوس يطارد الأتراك منذ عقود، لكن قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية كان بمثابة القشة التي قد تطيح ليس فقط بمسار هذه القضية المزمنة، بل بتقدم العلاقات التركية الأوروبية على طريق العضوية التركية أولا، وبتوفر العلاقة بين أنقرة والمجلس الأوروبي إذا ما أصرت تركيا على عدم تنفيذ هذا القرار ثانيا.

قبل أيام غرمت محكمة العدل الأوروبية التابعة للمجلس الأوروبي تركيا مبلغ 90 مليون يورو كتعويضات مادية ومعنوية تقدم للقبارصة اليونان، بدعوى قضائية أقامتها حكومتهم التي لا تعترف بها أنقرة عام 1994 بسبب غياب 1491 قبرصيا يونانيا وتبديل أماكن إقامة 211 ألفا منهم بعد الدخول التركي العسكري للجزيرة والآثار السلبية التي تسبب بها الدخول التركي لشمال قبرص، ومنها حركات النزوح والهجرة، والتخلي عن أملاك وأراض تعود ملكيتها للقبارصة اليونان منذ عام 1974.واتخذ القرار بغالبية أصوات القضاة (15 صوتا مقابل اعتراض ممثلة تركيا بالمحكمة عائشة أشيل قراقاش)، وهو الذي يوصف بأول قرار تحاكم فيه تركيا دوليا وتغرم بدفع هذه الأموال إلى قبرص الجنوبية خلال 3 أشهر وإلا فإن المجلس الأوروبي المشرف على تنفيذ هذه القرارات سيتحرك سياسيا ضدها، حيث من المعروف أن أنقرة عضو مؤسس في المجلس الأوروبي منذ 1949، والتحقت باتفاقية حقوق الإنسان التي أقرت منذ عام 1954.وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو قال إن القرار لا يلزم تركيا، ولا قيمة قانونية له، فهي دعوى قديمة أعيد تحريكها ضد تركيا وستضر بالجهود المبذولة للبحث عن حل لمشكلة الجزيرة.

لكن المحكمة الأوروبية تصر على قرارها الذي حملت فيه تركيا مسؤولية إطالة وجودها بالجزيرة والتسبب باستمرار انقسام البلاد، كما تقول.
الحاكم التركي الوحيد في محكمة ستراسبورج، وأستاذة القانون الدولي بجامعة غالاته ساراي التي انتخبت باسم تركيا كاراكاش التي كانت تردد قبل أعوام أن لا عواطف أمام القانون، تقول العكس هذه المرة، وهي تعارض القرار الذي تجد فيه إجحافا بحق أنقرة.

كاراكاش تقول إنه في عام 1996 قبلت المحكمة هذه الدعوى لتعود عام 2001 لتقرر أن تركيا انتهكت المادة 11 من اتفاقية حقوق الإنسان في 14 حالة، لكنها أجلت إصدار القرار لتتم تسويته وديا بين الطرفين، لكن أمام جمود الملفات وفي عام 2011 استأنفت المحكمة الدعوى بطلب من القبارصة اليونان إلى أن صدر القرار الذي يعد بالنسبة للأتراك أكبر تعويض يغرمون به أمام المحاكم الدولية حتى اليوم.

وزارة الخارجية التركية وصفت القرار بأنه «غير عادل، ولا يمكن تطبيقه مع استمرار المشكلة القبرصية، وأنه يجافي النزاهة القضائية بالمحكمة وخاصة خلال الفترة التي يتم فيها التفاوض على حل عادل ودائم، لكن القبارصة اليونانيين يتمسكون بحقهم في الحصول على التعويضات مقابل الجنود القبارصة المفقودين وممتلكات الأشخاص الذين تشردوا وانتهاكات آخرى لحقوق الإنسان.
الإعلامي أمره دينار يقول إن التعويضات تعتبر رقما قياسيا في تاريخ المحكمة وفي تاريخ تركيا أيضا.
الكاتب أمين كوجا يحلل مضمون القرار على الشكل التالي: 30 مليون يورو للأسر اليونانية التي فقد أبناؤها بعد الدخول التركي للجزيرة والبالغ عددهم حوالي 1500 شخصا، 60 مليون يورو تعويضات للمهجرين ولسكان قرية قرباز نتيجة التنقل وترك أملاكهم في شمال الجزيرة، حيث تتحدث الأرقام عن 211 ألف نازح قبرصي، لكنه في النهاية أول قرار تصدره المحكمة في دعوى بين دولتين الأكاديمي اتا أتون يردد أن القرار الأخير أغضب الأتراك وسيحمل معه نقاشا جديدا حول خلفيته السياسية واحتمالات تعقيد الأمور أكثر فأكثر في الجزيرة، وأن القرار بني على أساس الدخول التركي للجزيرة والتواجد فيها منذ 40 عاما وما تسبب به هذا التواجد من أضرار على القبارصة الذين كانوا يعيشون في القسم الشمالي من الجزيرة.
أكاديمي تركي آخر، منصور أكغون، يشير من ناحيته إلى أن المحكمة التي سجلت 14 بندا مخلا بالمادة الحادية 11 من اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية لا تناقش مباشرة مسألة الدخول التركي للجزيرة الذي أتى في إطار اتفاقيات لندن وزوريخ الموقعتين عام 1959 ، لكن لا بد أن يكون هناك رد تركي غير موضوع دفع التعويضات في دعوى عمرها 20 عاما.
ارتدادات القرار ستكون مكلفة لتركيا، خصوصا على مسار العلاقات التركية مع الدول الأوروبية التي سارعت لدعوة أنقرة لتنفيذ القرار إذا ما كانت متمسكة بطلب الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، كما قال الناطق الرسمي باسم المفوض المكلف بشؤون التوسعة ستيفان فوله، فأزمة تركيا ستكون في حال عدم تطبيق القرار ليس فقط مع المجلس الأوروبي، بل مع الاتحاد الأوروبي أيضا.
أمريكا دخلت على خط الأزمة من جديد في محاولة لإنقاذ شريكها الاستراتيجي تركيا، فزيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن الأخيرة للجزيرة وصفها البعض بأنها تندرج في إطار المحاولة الأمريكية الجديدة لتحريك ملف المحادثات وإيصالها لمرحلة إيجابية بعد جمود منذ 2004 حين فشل مشروع الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان في إقناع القبارصة اليونان بدعم التصور الأممي للحل.