ربما كانت العراق كارثة دموية، وأفغانستان فشلا عسكريا وسياسيا. لكن ليبيا كان يفترض أن تكون مختلفة. حرب الناتو للإطاحة بالعقيد القذافي في 2011 حظيت بإشادة على أنها التدخل الليبرالي الذي نجح. ربما كان على القوى الغربية أن تحرف معنى قرار الأمم المتحدة حول حماية المدنيين، وربما تحولت مدينة سيرت الليبية إلى ركام، وحدث تطهير عرقي على نطاق واسع وقُتل آلاف المدنيين. لكن كل ذلك كان من أجل قضية نبيلة أنجزت دون ضحايا من الناتو.
لم يكن الذي فعل هذا بوش وبلير في نهاية المطاف، بل كان أوباما، وكاميرون، وساركوزي. الشعب أصبح حرا، ومات الدكتاتور، وتم تجنب مجزرة، كل هذا دون وجود عسكري واضح على الأرض. حتى في العام الماضي كان رئيس الوزراء البريطاني يدعي أن الأمر كان يستحق التدخل، ووعد بأن يقف مع الليبيين “في كل خطوة على الطريق”.
ولكن بعد ثلاث سنوات من إعلان الناتو الانتصار، تترنح ليبيا مرة أخرى باتجاه الحرب الأهلية. على مدى الأيام القليلة الماضية، قام الجنرال حفتر-المعروف بارتباطه مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية- بمحاولته الانقلابية الثانية خلال ثلاثة أشهر، بزعم أنه يريد تخليص البلاد من “الإرهابيين” والإسلاميين. يوم الأحد الماضي، اقتحمت القوات التابعة له البرلمان الوطني في طرابلس بعد مقتل 80 شخصا في القتال في بنغازي قبل ذلك بيومين.
الآن دعا رئيس أركان الجيش الليبي المليشيات الإسلامية لحماية الحكومة قبل الانتخابات الجديدة. منذ أن سيطرت المليشيات على البلد لأنها أقوى من القوات الرسمية، تتقلص فرص تجنب صراع شامل بسرعة. لكن هذه ليست إلا آخر الصدامات والفظائع التي أحاطت بليبيا منذ “تحرير” الناتو. في حقيقة الأمر، استغل الغرب الفرصة للتدخل في ليبيا ليسيطر على الانتفاضات العربية. دعم القوة الجوية لحلف الناتو للتمرد في ليبيا زاد عدد القتلى عشرة أضعاف، لكنه لعب دورا حاسما في الحرب، وهذا كان معناه فقدان أي قوة عسكرية أو سياسية متماسكة تستطيع أن تملأ الفراغ. بعد ثلاث سنوات، هناك آلاف موقوفون بدون محاكمة، وهناك كبح قوي على المعارضة، والمؤسسات على وشك الانهيار. لكن الولايات المتحدة وبريطانيا لا تزالان تدربان جنودا ليبيين للحفاظ على السيطرة. قبل الإطاحة بالقذافي، كان حفتر يرأس الجناح العسكري لجبهة الإنقاذ الوطنية المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). قبل محاولته الانقلابية الأخيرة، أرسلت الولايات المتحدة قوة من المارينز إلى جزيرة صقلية استعدادا للتدخل عند الحاجة، ووعد جون كيري بمساعدة ليبيا أمنيا لمكافحة التطرف. لكن ليبيا ليست الوحيدة التي تعاني من تداعيات تدخل الناتو. آثار الحرب في ليبيا انتشرت في أفريقيا، مما أدى إلى زعزعة استقرار منطقة الساحل وما بعدها. بعد سقوط القذافي، عاد الطوارق الذين كانوا يحاربون معه إلى بلدهم، مالي، وأحضروا معهم كميات كبيرة من الأسلحة الليبية. خلال أشهر، أدى ذلك إلى اشتعال صراع مسلح في شمال مالي وإلى سيطرة المقاتلين الإسلاميين. هذا أدى إلى تدخل فرنسا في العام الماضي، مدعومة من بريطانيا والولايات المتحدة. ومن بين الجماعات الأخرى التي استفادت من الأسلحة التي سُرقت من ليبيا بعد سقوط القذافي جماعة بوكو حرام في نيجيريا.
لكن كل تدخل خارجي لا يؤدي إلا إلى اتساع دائرة الحرب على الإرهاب. وهكذا فقد أدى اختطاف بوكو حرام لـ200 فتاة مؤخرا إلى قدوم قوات أمريكية وبريطانية وفرنسية إلى نيجيريا الغنية بالنفط، تماما مثل ما أدت الأزمة في مالي إلى إقامة قاعدة أمريكية للطائرات بدون طيار في النيجر المجاورة. القوات الأمريكية متورطة الآن في 49 من أصل 54 دولة أفريقية، بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا، وتحول ذلك إلى تقاسم جديد لأفريقيا بحثا عن الموارد والنفوذ في وجه الدور الاقتصادي المتنامي للصين.
الذين يؤيدون التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا يقولون إنه حتى لو كانت ليبيا حاليا تعيش حالة من الفوضى وأعمال العنف، فإن ذلك قد يكون أفضل من عدم التدخل.
إن الحرب في ليبيا ونتائجها الكارثية يجب أن تجعل أمريكا والناتو يعيدون التفكير جديا في أي تدخل عسكري خارجي.