وصف وزير الخارجية الإيراني الأسبق في عهد الشاه، أزدهير زاهدي، الثورة الإيرانية بالمنتهية سلفا، مؤكدا أن بلاده سيقودها أبناؤها المتعلمون المثقفون الذين يعون حساسية المرحلة، وأضاف من منفاه في »مونترو« السويسرية، أنه ما زال يتذكر مليا شخصية العاهل السعودي الملك فيصل بن عبدالعزيز،»رحمه الله«، واصفا إياه بالعروبي الأصيل الذي دافع ببسالة عن حياض أمته العربية والإسلامية، وأشار زاهدي، الذي تزوج بابنة الشاه، واقترب من منتصف العقد الثامن من عمره، أنه لا يبحث عن موضع قدم له حال نشوب أي ربيع في طهران، مستدركا ملامح حكومة الشاه، التي رأى فيها التوأمة الحقيقية مع العرب حيال القضايا المصيرية، وكان هذا الحوار:
•تحيط ثورات الربيع العربي إيران وتدق أجراسها، ألا تعتقد أن الشعب الإيراني بحاجة لثورة على غرار الثورة التي أطاحت بالشاه؟ـ دعني في البداية أتحدث عن علاقة وثيقة تربطني بالسعوديين، حيث جمعتني وتربطني علاقة صداقة وثيقة بأشقائي العرب، خاصة بصاحب الشخصية العظيمة، الملك فيصل، كان الفيصل شديد الوطنية ومؤيدا للعرب والشرق الأوسط، ممالا شك فيه أن السعودية هي حامية بيت الله وأنتم تتمتعون بشرف مواصلة ما بدأه الملك
وأعتز أيضا بصداقتي بزميلي عمر السقاف، وربطتني تلك العلاقة به منذ كنت طالبا، وهذا من دواعي سروري وفخري، نظرا لأنه لزاما علينا التعايش معاولا يمكن لأحد كان أن يفرق بيننا أو يقضي على ما نملكه
لقد سألتني عن الثورة، وذكرت الربيع العربي، هذان أمران مختلفان فقد مضى على الثورة الإيرانية أكثر من 33 عاما ومثلما تعلم، كنت أنتمي للآخرين وقد لحق بي الدمار ولن أشكو أو أتذمر، لن يقبل إيراني اليوم أي تدخل أجنبي، من جانب أي من دول الجوار أو الولايات المتحدة وبريطانيا
إيران اليوم بلد مثقف صاحب تاريخ عظيم، وأي تغييرات ستحدث في إيران، فستكون من جانب الداخل الإيراني، ممن سيقع عليهم الاختيار من قبل شعب إيران، وبما أنك أشرت إلى «الربيع العربي»، فلن أتحدث في تفاصيله بشكل متعمق لأنني لا أعلم مدى نجاحه من عدمه، فالإيرانيون ضجروا من تدخل الأيادي الخارجية في شؤون بلدهم ولا يجب أن يقبلوا به
• ألا تعتقد أن مشكلة العرب ليست مع الإيرانيين، بل مع النظام الحاكم في طهران، وهو ما يقوض فكرة التعايش خاصة أنه غالبا ما ينفك يزكم أنفه في الشؤون العربية من وقت لآخر؟ـ من الضروري يجب التعايش مع بعضهم بعضا والاستمتاع بشكل فعلي بأوجه الاختلاف فيما بينهم، فالجانب الأجنبي بغض النظر عن هويته، يحاول غرس بذور الفرقة بيننا بهدف «الصيد في الماء العكر»، إنهم ليسوا على وفاق معكم أو مع إيران أو مع أي بلد آخر، بل يرغبون فقط في تحقيق مصالحهم، أخطر شيء سيفعلونه هو تقسيمنا وتدميرنا، إنهم يرغبون في تفرقة الشعوب وفرض سيطرتهم عليها، يجب أن نبقي أعيننا مفتوحة وألا نسمح لأنفسنا بأن نكون أداة للآخر، ومن ثم، فإنني أدعو إلى توخي الحذر
• إيران تحاول الحصول على قنبلة نووية لتهدد جيرانها وتفرض سيطرتها على المنطقة، فيما تتذرع بالحصول على طاقة نووية سلمية، كيف يتسق ذلك؟ ـ إن حق إيران الذي وقعت عليه بوصفي وزيرا للخارجية هو قانون منع انتشار الأسلحة النووية، كل الدول لها الحق في التمتع بهذا القانون، تمتلك أسلحة نووية منذ 1968 ولدي وثائق تثبت هذا، والهند لديها قنبلة، وكذلك باكستان «يحاول تبرير استخدام النظام الإيراني لورقة النووي في الحصول على مكاسب إقليمية، رغم أن النظام نفسه وافق أخيرا على التخلي عن هذه الورقة بعد أن أنهكت العقوبات الغربية اقتصاده»
•لكن الأمور التي تسير في إيران على عكس ما خططتم له، ما يجري مخالف تماما لشعارات الطاقة السلمية؟ـ لا يمكن أن أحدد نسبة 100% لأي شيء، لدي اعتقاد راسخ أننا لم نأت به،لا تنسوا أن رجلا كـ»الخميني»، لا يروق لي، لم يكن أنا من أتيت به إلى إيران، كانت أمريكا وبريطانيا وفرنسا، حتى عندما أصبح الخميني هو رأس السلطة في إيران، أعلن أنه لن يمتلك أي نوع من الأسلحة النووية لأن هذا ضد الإسلام
*النظام الإيراني في المنطقة نياته واضحة ومقاصده مكشوفة حتى وإن مورست لغة دبلوماسية حيالها، أليس كذلك؟ـ الأمور لا تجري بحسب ما تدعي، قانون منع انتشار الأسلحة النووية بدأ في عهد الشاه، قاتلنا من أجله وحاربنا دبلوماسيا من أجلها، لا أعرف كثيرا من رموز النظام الإيراني ولا أتحدث عن النظام، هؤلاء الأفراد لن يستمروا لفترة طويلة، وإذا تجرأ أحد على إيران وحدث قصف، «مثلما تهدد إسرائيل بذلك، فسيكون ذلك بمثابة جحيم للمنطقة بأسرها» لكن إذا وجهت إليك ضربة، فعليك بردها، في المعتاد، لن يتقبل الشعب الإيراني من أي دولة أن توجه لها ضربة ويسكت عنها
• إيران تهدد المصالح الدولية والاقتصادية وتساوم وتهدد بإغلاق مضيق باب هرمز، ألا يعد ذلك استفزازا للعالم بأسره؟ـ هذه نكتة، إغلاق مضيق هرمز ليس في صالح إيران، كما أنه ليس في صالح بقية الدول، ضحكت لسماع تلك الإشاعة، سبق وأن ردد الرئيس العراقي السابق صدام حسين الزعم نفسه، نحن الإيرانيين، لسنا مصابين بمس من الجنون
• سورية على فوهة بركان، الرئيس السوري فقد شرعيته بقتله شعبه بغطاء روسي صيني، وإيران تدعم وتساعد الجلاد في سلخ ضحيته، كيف ترى المشهد؟ـ يجب أن ننظر للموضوع في سورية بعين محايدة وبتجرد عن العاطفة، ونسأل أنفسنا عمن أشعل الفتيل في سورية، لا يمكنك حل المشكلة أمام الأفراد المتورطين فيها، فعندما تهطل الأمطار تغمر كل مكان، وحينما تندلع النيران فإنها أيضا تغطي المنطقة بأكملها، الحل الوحيد هو الصدق والصراحة، النهج السليم هو الجلوس والنقاش بصراحة من دون عراك
•منذ أواخر السبعينات وأنت تقطن في المنفى، ألا يراودك الحلم في إيجاد موضع قدم بعد حدوث تغيرات سياسية حال حدوثها في طهران؟ـ أمنيتي الوحيدة أن أعود مجددا إلى إيران وأن يوارى جثماني الثرى هناك بجوار أبي الذي حظيت بشرف غسل جثمانه ودفنه في قبره، حظيت أيضا بشرف وفاة والدتي بين يدي وقمت بدفن جثمانها هنا، كانت مصابة بمرض السرطان، في أحد الأيام، تعين علي السفر إلى مصر لأجل ملكي المحبوب، وفي يوم آخر، لأجل والدتي، أنا رجل طاعن في السن قدم في الحياة وقدم في القبر، أنا لا أخدع نفسي، حياتي قصيرة وآمل أن توافي الجميع المنية وهم أصحاء ولا يكونوا بحاجة لمساعدة أقاربهم، أثق في الله وفي رحمته وأنا مدين بكل ثانية لأن كل شيء قد حدث في حياتي ربما حصلت منه على أكثر مما ينبغي أن أحصل عليه
•ما توقعك حيال الثورة الإيرانية والنظام الحاكم في طهران
من سيقود الحكم مستقبلا في حال إنهاء نظام الثورة الخمينية؟ـ لقد انتهت الثورة الإسلامية، لم يعد الأمر متعلقا بالثورة، بل بشعب إيران، إن مستقبل إيران متمثل في الإيرانيين الشباب، إنهم مثقفون ولديهم أفكار جديدة مبدعة، هم مفعمون بالطاقة وملمون بتاريخهم ويعشقون بلدهم، حينما تركت البلاد، كان عدد السكان 36 أو 37 مليون نسمة، أما الآن، فقد قارب تعدادهم 80 مليون نسمة، وسوف يزداد هذا العدد، المستقبل ممثل فيهم، وهم الذين لهم حق اتخاذ القرار، الأمر الذي يشكل أهمية بالنسبة لي هو التربة، لقد صودر كل شيء مني ومن أسرتي، ولا أتطلع لانتقام
لهذا، فإنني ضد الثورة، إنها معركة، كنت أشاهد اللبنانيين والسوريين يصبون الزيت الساخن على المستعمرين الفرنسيين كي يحصلوا على استقلالهم، إنني لا أقول إنهملا يملكون حق الدفاع عن مصالحهم الخاصة، لكن عليهم ألا ينتزعوا حقوق الآخرين، لقد تحدثت إلى وزير خارجية الاتحاد السوفييتي أندريه غروميكو، وكان صاحب شخصية قوية وكان الأمر يتعلق بتشيكوسلوفاكيا «سولفاكيا الآن»، كان هناك رجل نبيل يدعى ألكسندر دودسيك، يتسم بالوطنية الشديدة والذي قام بالعديد من الأعمال الرائعة لشعبه، ولكنه لم يقم بمثل هذه الأعمال لأجل الاتحاد السوفيتي، في ذلك الوقت، كان لدى الاتحاد السوفيتي تشيكوسلوفاكيا، أتوا بخمسمئة وأربعين ألفا من القوات والدبابات وأطاحوا بالنظام، وقفت ضد ذلك في الأمم المتحدة لأنه كان صديقي

