الإعلان عن الذات لا يكون إلا للضرورة. وعبارة «هل تعرف من أنا؟» لا نسمعها إلا في المجتمعات المتأخرة. كان «داويت أيزنهاور» يمر في أحد الأيام بجبهة القتال بأوروبا حين وجد أحد القادة الصغار يعنف جنوده الذين يشيدون أحد أنفاق الاختباء، دون أن يتشارك معهم. ترجل أيزنهاور عن سيارته وأخذ يساعد الجنود ويحمل الأحجار، فأراد القائد أن يتعرف على شخصية هذا القادم، فرد عليه أيزنهاور»أنا القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا»، واستمر في العمل وانصرف.
وللأسف، البعض يخلط بين التواضع والضعف، وقبل واقعة أيزنهاور بأكثر من عقدين، كان المهراجا الهندي «جاي سينج» يتجول بملابسه المتواضعة العادية بلندن حين قادته قدماه إلى معرض لسيارات «رولز رويس» الشهيرة، فسأل عن سعر إحدى السيارات التي أعجبته، فما كان من البائع إلا السخرية منه وإهانته لفقر مظهره. فكان رد المهراجا قاسيا، إذ اشترى عشر سيارات من المعرض نفسه وقام بشحنها للهند وخصصها لنقل القمامة بعد إزالة سقفها، مما أضر كثيرا بسمعة الشركة.
من الواضح أن الشخص ذا القيمة الحقيقية لا يعلن عن نفسه، ولا يطلب من الناس أن يعرفوا من هو إلا وقت الضرورة.. مر يوما الأمريكي «هنري فورد»، مخترع السيارة، على أحد الطرق فوجد أحدهم وقد تعطلت سيارته، موديل فورد، فعرض المساعدة على صاحب السيارة المعطلة، فشكره الأخير، وقال له إنه خبير بالسيارات. وفي رحلة عودته من الطريق نفسه وجد السيارة المعطلة ذاتها، فنزل هذه المرة وأصلح العيب بسهولة، فذهل صاحبها الخبير، وطلب التعرف إلى هذا الغريب الماهر، فقال له فورد «لا تجزع فأنا من اخترعها».
هذه القصة تشبه ما حدث مع رجل الأعمال الإنجليزي «ريتشارد برنسون» حين خرج لتوه من غرفه التدخين بأحد المطارات قبل ركوب الطائرة فوجد أمامه رجلا يقول له إنه لو جمع كل المال الذي أنفقه على السجائر طوال عمره لكانت الطائرة التي سيركبها ملكه. فسأله ريتشارد «هل تدخن السجائر؟». فأجاب الرجل بالنفي، فاستفسر ريتشارد «هل تملك أنت تلك الطائرة؟». فأجاب الرجل مرة أخرى بالنفي. هنا قال له ريتشارد «أشكرك على نصيحتك، ولكنني أدخن السجائر وأمتلك تلك الطائرة أيضا». وبالطبع «ريتشارد برنسون» هو الملياردير مالك طيران فيرجن.
الإعلان عن أنفسنا لا يجب أن يكون إلا في حالات الضرورة، غير ذلك، فالتواضع أفضل صفة، وفي بعض الظروف لا نحب أن نُعرف أنفسنا مهما حدث كما هو الحال في النكتة التي تحكي عن هذا الموظف الذي اتصل بمكتب مديره بالخطأ قائلا «أحضر لي قهوتي فورا وإلا علمتك الأدب»، فرد عليه المدير بغضب «هل تعرف من أنا؟». قال الموظف «لا». فأردف المدير «أنا مدير المؤسسة وسأعلمك الأدب». فرد عليه الموظف «هل تعرف من أنا؟». قال المدير «لا». فرد عليه الموظف «الحمد لله»، وأغلق الخط بوجهه.