يطالع القراء يوميا ما يكتبه عدد كبير من كتاب الرأي في الصحف المحلية، الذين يسجلون كثيرا من آرائهم وأفكارهم، وفي المقابل فإن القارئ له الرأي في هذا أو ذاك، من حيث جودة مقاله من عدمه، كما أنه يحكم على الكاتب من خلال بعض الاهتمامات التي تتعلق به وبحياته وحاجته ومعاناته في المجتمع، لذلك تجد أن أغلب الكتاب الذين يحظون بالقبول لدى نسبة كبيرة من القرّاء، أولئك الذين يناقشون الهم الاجتماعي.

المهنية والموضوعية

يقول الكاتب خالد السليمان إن هناك أمورا كثيرة تلعب دورا مهما في كيفية تقييم المقالة الصحفية ومهنيتها، مثل السلاسة واختيار المفردة الجيدة، لذلك تجد أحيانا كتابا يستنزفون أنفسهم، مضيفا أن هناك من يكتب لمجرد أن يظهر اسمه وصورته في المساحة التي يكتب فيها، ولا تجد في مقاله ما يقدم فائدة حقيقية للقارئ، وهذه مشكلة تعاني منها صحافتنا، التي أتاحت الفرصة لكل من «هبَّ ودب» ليمتلك زاوية فيها.
ويتابع السليمان «لو نخلنا صحفنا بمنخال المهنية والاحترافية والموضوعية، لاختفت أكثر من نصف الأقلام التي تكتب فيها الآن، أما الكاتب المحترف، فتجده في كل مرة لديه فكرة يطرحها أو يناقش قضية مهمة».
ويعتقد السليمان أن كتّاب الشأن العام اليوميين، حازوا نصيب الأسد من متابعة القرّاء، بالإضافة إلى كتاب المقالات الرياضية، الذين يحظون بمتابعة شريحة كبيرة في المجتمع، قائلا: للأسف إن الكتاب المتخصصين بشكل عام وفي مختلف المجالات، تنحصر مساحتهم بشكل كبير لدى القارئ، ولا أعلم هل المشكلة تكمن في عجز الكاتب في الوصول للقارئ بلغة مفهومة، أم أن وعي القراءة لدى المتابع ينحصر مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، وعصر السرعة الذي أصبح لا يتوقف كثيرا عند تمعن المقال.

العلاقات الشخصية

يرى الكاتب محمد الحساني أن كتابة المقال اليومي ليست دليلا على مهنية كاتبه، ومستوى فكره وطرحه واستيعابه لقضايا وطنه، أو للقضايا السياسية أو الفكرية أو الثقافية بصفة عامة، فقد يوجد كاتب يومي أو شبه يومي يكتب مقالات لا تحمل أي رؤية وفكر، وإنما هي مجرد انطباعات وثرثرة وملء فراغ، ولا يجد فيها القارئ ما يجيب على أسئلته واستفساراته ويشبع نهمه ويقدم له المعلومة والرأي والمعالجة التي يستفيد منها.
ويؤكد الحساني أن هناك من كتاب الزوايا اليومية الذين لا يمل القارئ من متابعة ما يكتبون، لأنهم ينطلقون من ثقافة عامة واطلاع واسع، ولديهم نهج في طرح القضايا، ورؤية عميقة لمعالجة المشاكل واقتراح الحلول، ولكن هذا الوصف الأخير لا ينطبق، بحسب الحساني، إلا على الأقلية من الكتاب اليوميين.
ويشير الحساني إلى أن الأداة الشخصية تتحكم في اختيار أسماء الكتاب، كما تتحكم أيضا في تحديد الزوايا التي يكتبون فيها، ويرى أن هذا من عيوب التعامل الصحفي بين الكتاب والعاملين في الصحف، فالمفروض أن يكون الأساس في ذلك هو كفاءة الكاتب وقدرته على طرح آراء بناءة وموضوعية وجادة وعميقة، تسهم في تقديم حلول في قضايا المجتمع، لا أن يكون الأساس الارتباط بين الكاتب والعاملين في الصحيفة، وهذا لا يعني أن جميع الذين يتصدرون زوايا الصحف مرتبطون بعلاقات، ولديهم مصلحة مع العاملين فيها، ولا ينفي الحساني وجود هذا النوع من الكتاب ومن أصدقائه في الصحف.

الاهتمام بالمواهب الحقيقية

وحول الكتاب المبتدئين من أصحاب المواهب الحقيقية يرى الحساني أنهم يجب أن يأخذوا حقهم من عناية الصحف بهم، وأن لا تكتفي الصحف بالأسماء الجاهزة والمعروفة، فقد تجد بين الكتاب المبتدئين من هم أفضل طرحاً وفكراً ورؤيةً وثقافةً، من الكتاب المعروفين، خاصةً الذين يملؤون زواياهم اليومية أو الأسبوعية بأي كلام.
ويختم الحساني بالقول «إن كان لي من شهادة أقدمها في هذا المجال، فستكون لصالح أخينا الأستاذ قينان الغامدي، الذي يعد من أفضل رؤساء التحرير الذين قدموا للصحافة أسماء جديدة، لم تكن معروفة لدى القراء، وذلك خلال فترة رئاسته لصحيفتي الوطن والشرق، والأسماء التي قدمها ولم تكن معروفة من قبل، أصبحت معروفة الآن، ومنها أسماء استقطبتها حاليا صحيفة مكة المكرمة.

أذواق مختلفة

إلى ذلك، تقول الكاتبة حليمة مظفر «في رأيي أن الكاتب لا يصل إلى زاوية يومية إلا بعد تجربة في كتابة أسبوعية على الأقل، يحصد من خلالها اهتمام عدد من القرّاء، الأمر الذي يجعل الصحيفة تستكتبه في هذه الزاوية اليومية، ولا يمكن أن تخصص صحيفة لها شعبيتها زاوية لكاتب يومي دون أن تراهن على نجاحه، وهذه مسألة غاية في الأهمية، فالكاتب اليومي لا يصل إلى هذه الزاوية إلا من خلال مهنية أهلته إلى أن يكون كذلك.
وتبين مظفر أن وجود الكتاب اليوميين الذين يكتبون بلا فائدة، مشكلة موجودة في كل صحف العالم، لأن أذواق الناس تختلف.

الكاتب الجيد مطمع

وتعتقد مظفر أن الصحف المتمكنة لا بد أن يكون لديها إحصاءات تقوم بها كل فترة، موضحة «أننا كل سنة نلحظ موجة من التغييرات أو التنقلات في أسماء الكتاب، فالكاتب الجيد بلا شك يكون مطمعاً للصحف الأخرى، التي تسعى إلى ضمه، لأن الصحف في النهاية ليست جمعيات خيرية، بل هي مؤسسات إعلامية تقدم خدمات للقارئ، وتسعى إلى الربح، فمن دون شك لن تراهن على كاتب فاشل».
وتضيف مظفر «أعتقد أن المسألة بالدرجة الأولى، تتكئ على الكاتب نفسه، وإذا ما كان يريد المحافظة على جماهيرية قلمه، وتأثيره في الرأي، أو يكتفي بالوصول إلى هذه الزاوية، وبالتاريخ الذي صنعه من خلالها».

لن ينجح أحد

ويذكر الكاتب محمد السحيمي أنه لو طبقنا المقاييس الاحترافية الحقيقية على الكاتب، واشترطنا الإضافة والجدية والأسلوب، وكل المواصفات الفنية للمقالة، فقد تكون النتيجة بكل أسف مخجلة، ولن ينجح منا أحد، ويجب أن يقول المريض «أنا مريض»، لأن ذلك بداية العلاج، وللأسف أن بعض الزملاء الجيدين، الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، استهلكوا أفكارهم، فباتوا لا يأتون بجديد في الصحيفة، ويكتبون فقط لملء الفراغ.
ويؤكد السحيمي أننا نسرق من بعضنا دون أن نشعر، لأننا لا نقرأ لبعضنا، ونكرر أنفسنا، فتجد في الصحيفة الواحدة قرابة الخمسة كتاب يتحدثون عن موضوع واحد، ولا يضيف أحدهم على الآخر شيئا، لذلك فالمقالة التي تخص بها صحيفة مقروءة، لا بد أن تكون الفكرة مركزة، وتتعب في عرضها والبحث عنها، لذلك فإن الوسائط الحديثة، تدفعك إلى مراعاة ما يريده الجمهور.

المناصب هي المقياس

ويوضح السحيمي أن الصحف انتقائية جدا في اختيار الكاتب، ولا تعمل بشكل مؤسسات، لأن المؤسسة تبحث عن مصلحتها، فتجد أن هذا الكاتب قد يضيف إليها حتى ولو تسويقيا، والآخر لا ينفعها، ولكن المسألة مزاجية بيد أشخاص، إذا رضي عنك هؤلاء الأشخاص تستكتب، وإلا تبعد من الصحيفة، بغض النظر عن القيمة والجماهيرية.
ويلفت السحيمي إلى أن صفحات النقاشات والقرّاء، كانت ذات قيمة كبيرة، يكتب فيها بدون أي وساطات، وتجد من يقدر المواهب، ويتيح الفرصة بكل شجاعة للأقلام الجيدة بعيدا عن الاعتبارات الشخصية، الآن كثر الكتاب، الذين لهم وجاهة اعتبارية، ويجاملون في الصحف لشخصهم وليس لموهبتهم، وهذا واضح في صحافتنا وليس سرا، وهناك من يحجز مكان وصفحة مقالته.
ويتذكر السحيمي أن مسؤولي إحدى الصحف، التي اتفقت معه ليكتب في صفحتها الأخيرة، تراجعوا عندما عرفوا أن الصفحة الأخيرة محجوزة لأحد الأشخاص، لا قيمة له سوى منصبه وجهته الاعتبارية التي يمثلها، والتي تخدم الصحيفة بعيداً على الكتابة، فهو ليس لديه فكر بل يكتب يومياته.
وبحسب السحيمي فإنه لا يشترط مكان الصفحة التي يكتب فيها، بل يعمل بمقولة «بسمارك»، (أينما أكون .. يكن صدر المجلس)، مبينا أن القارئ يبحث عن كاتبه، أينما كانت الصفحة التي يكتب فيها، ولكن المؤسف أن المقياس ليس بناءً على الموهبة والجماهيرية، وإنما بناءً على المناصب.


«تدرك كثير من الصحف أن الرأي هو الوسيلة الأولى للانتشار، لذلك تهتم به وبكتّابه، إلا أن هناك صحفا أخرى تستقطب الكاتب ذا الشخصية الاعتبارية الشهيرة، لتكسب نسبة أعلى من المشاهدات، وما أن تُنتَزع عنه هذه الصفة، حتى يختفي من صفحاتها، ما يجعلها تفشل في تقديم الرأي للقارئ، أما الصحيفة الجيدة، فتؤمن بأن المعيار هو القارئ، فتسعى لاستقطاب الكتاب الجيدين، والكاتب الجيد دائماً يفرض نفسه، وقد يعاني في البداية في الوصول إلى الواجهة، لكنه في النهاية سيفرض موهبته».

خالد السليمان


«ينبغي على العاملين في الصحف، إذا ما جاءهم كاتب مبتدئ يحمل مقالة اجتماعية أو أدبية، أو حتى سياسية أو رياضية، أن لا ينظروا إلى اسمه، أو إلى أنه غير معروف بالنسبة لهم، بل ينظروا إلى ما كتبه، فإن وجدوه جيداً يستحق النشر، فما المانع من أن يأخذ هذا الكاتب المبتدئ حظه وفرصته، وأطالب بأن لا تقل نسبة الكتاب المبتدئين في الصحف عن 50% من نسبة الكتاب عموماً، وأن يكون البقاء في جميع الأحوال للأصلح».

محمد الحساني


«هناك بعض الكتاب يتلاشون بعد فترة، لأنه لم يعد لديهم شيء يقدمونه، وإذا وصلت أنا إلى هذه المرحلة ربما أتوقف عن الكتابة، لأن الإنسان يجب أن يتوقف عند النقطة التي نجح فيها، لا أن ينتظر حتى يتهاوى، وأتمنى من بعض الكتاب، الذين يصلون إلى المرحلة التي لا يجدون فيها ما يقولونه، ويضطرون لتكرار القضايا التي يطرحونها، أن يتوقفوا حتى ولو بشكل موقت، لكي لا يفقدوا قارئهم، لأن القارئ بالنسبة للكاتب هو المكسب الأساسي».

حليمة مظفر


«الكاتب يستنزفه المقال في البداية، ولكن مع مرور الوقت يتحول إلى كاتب محترف، وإذا توقف عن الكتابة يشعر بحنين لها، ولكن عليه تدريب ذهنه وأن يصنع له كهفا في هذا الزحام الخانق بالحياة اليومية التي تستهلكنا، ومع الوقت تصبح الكتابة اليومية ألما عذبا إذا افتقده حن إليه، والكتابة ما هي إلا عملية ترويض، وانتقال للاحترافية في بيئة غير احترافية، وهذه المعاناة في أنك لا تجد الوقت، وإذا وجدته، فلا تجد التركيز، حيث إنك تجد نفسك مشتتا بين عدة أعباء».

محمد السحيمي