لم تجد من تطلق على نفسها «ياسمين» بدّا من بيع الورد، في المجمعات التجارية الكبرى بالعاصمة المقدسة، لمقابلة احتياجاتها الأسرية، وهي ترتدي خمارا أسود موشحا بالوقار، فنظراتها لاتكاد تفارق الأرض، وهي تقدم منتجها الملفوف بعناية «أهدوا الورد للورد» جملة لا ينتظر المشترون غيرها، فهي تكتفي بها لتبادل الورد بالريالات الخمس.
في ردهات المجمع التجاري، ظلت تتجول مرددة جملتها التي ألفها العاملون في المحلات، والعديد من الرواد، لتكمل ما بيدها من «بوكيهات»، فتغادر حيث دنيتها الأخرى، منزل يضمها وابنيها «طفل وطفلة»، ووالدة مقعدة هدها المرض، تعينها ريالات الورد لمقابلة احتياجاتها من الأدوية.
بعد عنت وتردد وافقت «ياسمين» على الكشف عن حكاية «الورد»، قالت: أسكن في شقة صغيرة مستأجرة بمبلغ 24 ألف ريال في السنة، بعد أن تركني زوجي لأواجه الحياة، وترك لي «جوهرتين» اعتني بهما، وتنسيني ابتساماتهما معاناة الحياة، بعد أن باعهما والدهما بزوجته الأخرى، ولم يعد يسأل عنهما، ناهيك عن الصرف عليهما، وبجانب الصغيرين، هناك والدتي بتكلفة علاجها العالية.
وأردفت «اخترت بيع الورد لأعيش بكرامتي، وألجأ إلى المجمع التجاري بسبب وجود حراسة أمنية تحميني عوادي الدهر ورغبات الآخرين، فهنا أشعر بالأمان، ويعرفني رجال الأمن الذين أعدهم إخوتي».
تزوجت «فتاة الورد» وهي صغيرة بسبب حاجة والديها للمال، وتركت الدراسة لتتفرغ لبيتها، لكنه لم يستمر، إذ كان الفراق، فبدأت رحلة الشقاء لتوفير لقمة كريمة لثلاثة أفواه، لا حول لها ولا عائل، فبدأت تحمل صباحا ملفها «الأخضر» الذي يحوي شهادة الثانوية، وأخرى لحسن السير والسلوك، وأوراق إثبات الشخصية، تدور بها الدواوين الحكومية، ومباني الشركات، علها تجد وظيفة تقيها وأسرتها الصغيرة شظف العيش.
قالت: أتقاضى مبلغ 1600 ريال من الضمان الاجتماعي، إلا أنه لا يفي احتياجات أسرتي، أما احتياجاتي الشخصية، قررت منذ زمن أن أؤجلها إلى حين ميسرة، فمبلغ الضمان لا يفي حتى الإيجار، ولا نفقات العلاج والمصروف اليومي للأسرة، ورغم أن الضمان الاجتماعي حدد 900 ريال شهرية لوالدتي، إلا أنها تذهب مقابل جزء من علاجها، فكانت فكرة بيع الورد لمحاولة جمع مبالغ إضافية لمواصلة الحياة بكرامة.
لم يترك اليأس مدخلا إلى قلبها إلا سلكه، لكن والدتها المقعدة وصغيريها يمثلون الوقود الذي يدفعها للتمسك بالحياة والسير نحو بر الأمان، تحدثت بإصرار عن حياة سعيدة مقبلة، وأردفت: ستتحقق أحلامي في حياة سعيدة ذات يوم، رغم أني أحمل هما قفز بعمري لسنوات للأمام، حياتي عبارة عن سفينة عظيمة محملة بالهموم والأوجاع، وغاية أمنيتي النجاة من الغرق وقراصنة البحار.
ما زالت تقف صامدة رغم صرامة العيش، تبيع الورد لتسعد القلوب، فيما ينزف قلبها من شدة الألم دون أن يراها أحد.