هي ليلة مُحاقيّة، يتوارى فيها «القمرُ»، مندسّاً في تراب الظل، مِن سوءِ ما سيُبشّر به لا حقاً. والغالبِ أنّ في مثل هذا التوقيتِ، ما يكون مسرحاً لأحداث مريبةٍ، ننتظرها فنتوجس منها خِيفةً، إذ تترشّحُ فيها أشياؤنا كلّها إلى أن تضيع، وليس (البشتُ) مِن بينها سوى علامةٍ ظاهرةٍ، بها نهتدي، على معرفة ما فَضُل من بقيانا الضائعة.
ومع هذا، فإنّ ثمة استفهاماً سينشأ، وهو: أما كانَ الأولى بـ»البشتِ» أن يُسجّل ضياعه نهاراً، فما لهُ –هو الآخرُ- والليلُ؟
بوسعكَ أن تختار واحدة من بين هذه الإجابات:
*لأن في النهارِ معاشا، فكيف إذن لـ»البشت» أن يضيعَ ضحىً، وهو الذي يغدو خِماصاً ويروحُ بِطاناً، ذلك وأنّ في ضياعه نهاراً، باب شرٍّ عظيم، وإيذانا بانسداد أبواب الكسوبات، وانغلاقِ منافذ «الشرهات»!، وعليه فليس ينبغي أن يكون «النهار» محلاً للضّياع، وحسبكَ أنّ في «البشت» رزقهم!
* أحمقٌ من كان يُفضي بسرّهِ إلى النهار، ناهيك عن أنّ «مكر النهار» يُعدُّ كيداً ضعيفا، وإذا ما ضاعَ «البشتُ» أثناء النهارِ، فاقرأ حينذاك: على «الوجاهةِ» السلام وكبّر أربعاً!
*حين يكون الافتقار إلى الفقه وإلى الورع قائماً في واقع مُجتَابي «البشت»؛ فإنه ليس لمثل هذا الأخير أنْ يسدّ فراغهما. ولئن تحقّقَ ضياعهُ نهاراً، فإنّ فاقدهُ، بالضرورة قد عرّضَ نفسه للتعرّي، وساعتها، فإنّه ما من شيءٍ بمستطاعه آنذاك أن يتناوله، ليستر به عورته المغلظة، تلك التي ما فتئ يُظهرها عياناً -بيده لا بيد عمرو- وقبالة الملأ، دون حياء!
* ولك أن تتساءل: ألم يجعل الله الليلَ سكناً، ولباسا؟! أجيبك بداهةً: بلى!
فالأصل إذن، أن يكون «الليلُ» محِلاً، لأن يَضَعَ فيه «المتكسبون» إصرَ «بشوتهم»، وأغلال ما تنضح به من دزينة ألقابٍ، ما أنزل الله بها من سلطان. ولا قام عليها من العقل الصريح برهان!
* لا جرم أنّ الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فريقان، أما أحدهما، فهم أولئك الذين يدعون ربهم خوفا وطمعا، إذ يستطيبون إنفاق ليلهم «صلاةً»، وبالأسحارِ هم يستغفرون.
وأما الآخرون: فهم أولئك الذين قسموا ليلهم شطرين: شطر يقضونه في التخطيط لسرقاتهم، وشطرٍ -ولعله آخره- يمضونه في تنفيذ «خاطرة» طريق السرقة!
ومن هنا، فيسعنا القول: إن «البشتَ» يأتي خليطاً فيما بين الحالتين، ذلك أنّ من يصلي ليله -يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه- لا يحفل مطلقاً لا بـ»البشت« ولا بزيي ألقابه، إذ الموقفُ موقف افتقارٍ وتذلل.
وكذلك أرباب: »السرقة« تخطيطا أو تنفيذاً، إنما يَكفرون ليلتهم بـ«البشت» وملحقاتِه، إذ ينصبّ محض إيمانهم على ما سيستقر سلفاً في جيوبهم.. ليس إلا.
* ليس شيءٌ يُشبه الليل في حفظه السرّ، ولذا فإنّ الهتك لدلالة: »البشت« ليلاً، يُعدُّ أكثر أمانا، وأشدّ طمأنينة، حيث لا أحد يتبيّن حقيقة من قد أضاع: »بشته« ممن لم يزل بعد محتفظاً به، ذلك أنّ الذي قد أضاع: »بشته« لا يلبث -في منتصف الليل- أن يبدو بزيٍّ آخر، وبصورةٍ جدُّ مناقضة لما يفترضُ أن يكون عليه: «المستبشتون» عادةً من مروءة وخلقٍ، فضلاً عن دين واستقامة.
وفي حال اخترتَ إحدى الإجابات السالفة، فإنه قد بات مِن السهل عليكَ الآن أن تقرأ شيئاً من حكايات هذا: «البشت» الضائع على هذا النحو المجمل:
1 - تراه نهاراً، فلا تكاد تبصر فيه إلا صلابة في تديّنه، وإلا ثباتا على مواقفه، إذ ليس من شأنه سوى التذكير بالآخرة -وحسن رَفيقا- بينما منتهى مبتغاهُ من هذه الفانيةِ، لا يعدو أن يكون العيش كفافاً، وبقوتٍ بالكاد يسد به جوعة أبنائه، ويقيم به الأود.
بيد أنّ الليل لمّا أن يرخي سدولهُ، ويلتفُّ الكون تالياً بسابغ ثوب ستره؛ حتى ترى: «البشت» في كلّ أودية هذه الدنيا الفانية يهيم، ولا يلوي على شيء، إذ لا تلبث أن تشهد مَن قد احتضنه -بأم عينيك- وقد غدا سمساراً ورجل –عقاراتٍ- يضرب الأراضي كلها.. ركضا برجليه يبتغي من فضل: »المعازيب« ولو دهن سيرٍ، ولا يفوّت شيئا من النوال إلا وقد حظي به كسبا بيّناً وأحيانا احتيالاً ظاهراً.. ولو في الحالتين تأولاً ينتهي به -باطلاً- إلى الرضا عمّا يصنع..ولو خسر أُخراه!
ومن شاء منكم أن يرى كيف يكون رِقّ «الدّين»، والتهافت على هذا الدنيا، إذ يباع الدين فيها بعرضٍ من حُطامها، فلا يشيح بناظريه عن صاحبنا وبشته!
2 - ما كان ليبرح هذا البشتُ: «منابر» العلم الشرعي مكثاً واهتداءً، بحسبانه ميراث النبوة، وما يصح من مثله -وهو الوارث- أن يهب نصيبه المفروض إلى من سواه، الأمر الذي جعله كلفا بالعلم الشرعي -درسا وتدريسا- ولم يحفل بأي شيءٍ يمكن أن يصرفه عن مشغولاته: «الشرعية»! غير أنّ ذلك لم يكن إلا نهاراً... «وبس»!
فيما يكون في الليل: «خلقاً» آخر، فلا عناية من لدنه –ليلاً- لا بسند علمٍ، ولا بمتنه، إذ يكون فيهما من الزاهدين، وبخاصةٍ حينما يأخذه الليل كلّه وقد تلبّسته: «الحالة السياسية» فتمحّضت فيه شخصية: «النفعي» كما وصفها: «ميكيافيلي» قبلاً.. ويسعني أن أقول عنه دون مواربةٍ بأنّه: لم يكن في ليله من المصلين -ولا هو من المشتغلين بالعلم الشرعي- وإنما كان يخوض بالسياسة مع الخائضين، حتى تجاوزهم بمكره، حتى كدنا نظنّه -بادي الرأي- ممن يكذب بيوم الدين!
ويبرز هاهنا السؤال التالي: ما الذي أوصل: «البشت» إلى كلّ هذا المستوى! ولماذا ألفيناه وقد استحال شعارَ مَن لا شعار له؟! وهل ثمة تباين ما بين: بشت النهار وبشت الليل.. وما الشروط الواجب التوافر عليها في سبيل الظفر بأحد البشتين؟
يتبقى أن أشير إلى أنّ ثقافة ارتداء «البشت» نهارا والتخفف منه ليلا، هي ظاهرة قد خبرتها المدينة إبان عصر النبوة، إذ لو قد خلت منها أزقة المدينة -أيام الصحابة- لاستوحشوا.
وما بات خافياً اليومَ، بأنّه لم يعد للبشت من حصانة كافية! إذ إن زمن تويتر أكمل البقية الباقية من هتك ستر العورات، بل إنه قد أمعن في فضحها.
في الليلة التي ضاع فيها: "بشت" المشيخة!
خالد السيف5 دقائق للقراءة

حجم الخط
