كان إجهاض الانتظار لسيارة «غزال» السعودية في الأسبوع الماضي، وإغلاق نافذة الحلم بها التي قفزت المخيلة عبرها على الواقع وتخطت منطق الحقيقة، مثيراً لإحساس مفاجئ بالحزن والأسى على النحو الذي تدلل عليه مقالات الرأي العديدة في الصحف، والتعليقات على ذلك والمداولات عنه في مواقع التواصل والتعبير على الشبكة. وقد تبدو هذه المقالات والتعليقات بما يستشعره القارئ فيها من مرارة الإحباط وهزيمة التوقع باعثاً آخر على الحزن والأسى لا يقل عما بعثته السيارة؛ لأنها تبدو صادقة في توقعها لصناعة السيارة وعلى يقين من إنتاجها في الموعد المحدَّد، من دون التحقق من أدلة ذلك وعلاماته التي لا يشير شيء منها إلى يقين أو ما يقرب منه، بل على العكس! ولكنها في صميم ذلك ماكرة وساخرة وتهكمية، من أجل ممارسة نقدية تجاه الحدث، فهي تدعي الحسرة وتستشعر صدمة الخيبة وحزنها، لأنها تساير ما انطوى عليه الإعلان عن السيارة قبل ثلاث سنوات من ادعاء!
ما أعلنه المصدر المسؤول بجامعة الملك سعود رداً على تحميل وزير التجارة للجامعة مسؤولية توقف مشروع السيارة لأنها تقدمت بالفكرة «ولم تتقدم للتجارة لأخذ التراخيص اللازمة لتكملة المشروع»، هو الحقيقة اللائقة بدور الجامعة ومهمتها؛ فدور الجامعة -فيما قال المصدر- «ينتهي عند البحث العلمي، بحيث تتم الإفادة من السيارة بدراسة مكوناتها وتفكيكها وتركيبها واستعراض أساليب وطرق صناعة السيارات». وهذا موقف –بالطبع- مغاير لمشروع «غزال» الذي تم الإعلان عنه والاحتفال به؛ فقد كانت «غزال» يومذاك ماثلة في المكان بوصفها توطيناً للتقنية وتطويراً وابتكاراً «بجهود الجامعة الذاتية»! وكانت بلونها وفخامتها وتحفُّزها وتصميمها شكلاً مختلفاً عن أشكال الماركات المعروفة من السيارات، وشهدنا إعلان اسمها الذي يعني ماركة تجارية، كما شهدنا توقيع اتفاقية شراكة كانت الجامعة طرفاً فيها، إلى جانب شركة كورية اسمها «ديجم» وشركة «مدروك»، إحدى شركات العمودي، وتنازل الشركاء عن 30% من حصصهم للصناديق الحكومية وشبهها.
وقد تردَّدَتْ في حفلة «غزال» تلك، عبارات: «توطين الصناعة» و»نقل التقنية» و»اقتصاد المعرفة» و»البحث الإنتاجي»...الخ. وهي عناوين مشاغل حقيقية وذات أولوية في المؤسسات الأكاديمية الحديثة، وفي المملكة على وجه الخصوص، لكن أسئلة بسيطة لم تظهر على السطح: لماذا السيارة ابتداءً؟ أين الأيدي العاملة الوطنية والظروف المناسبة لتصنيعها؟ لماذا لم يتجه البحث إلى حل مشكلات محلية أبسط وأكثر إلحاحاً؟ كان المشروع أدل على الاستعراض وطلب المديح منه إلى الصدقية والعملية! هكذا كانت «غزال» حكاية إعلامية، وهي حكاية دعائية مؤسفة لا تنفصل عما ترافق معها آنذاك من القصد إلى رفع تصنيف الجامعة في المقاييس الدولية عن طريق تنافسها مع جامعات سعودية في شراء الانتماء الثاني لباحثين من ذوي التصنيف العالمي، بحسب ما دللت عليه مجلة «صاينس» في تقريرها الشهير.
إن هذه النتيجة التي انتهى إليها مشروع «غزال» ينبغي ألا تؤدي إلى الزهد في العلاقة بين مراكز الأبحاث الجامعية والمجتمع الصناعي والعملي؛ فالبحث لا ينشأ وينضج ويتقدم في بيئة معزولة عن الواقع العملي ومشكلاته وحاجاته، والجامعات مصانع لإنتاج العقول والمهارات التي لن تجد مجالها الحيوي إلا في الميدان العملي. وأحسب أن أكبر فائدة من مشروع «غزال» هي أن تستلهم جامعاتنا في خططها ومشاريعها معاني الصدق والواقعية فعلياً، وأن تعي أهمية المدلول المؤسسي الأكاديمي الذي تنأى قراراته عن الفردية والارتجال، فتنبني على مجالس ولجان وتشفع لها مبررات واضحة، ولذلك فإن المشروعات المحسوبة على الدعاية الفارغة والذاتية -كمشروع «غزال»- لا يمكن حسابها على المؤسسة الأكاديمية، بل على المغامرين فيها الذين يحلو لهم الاستعراض ويستبد بهم الادعاء الفارغ.
"غزال".. بين إنتاج "الدعاية" وإنتاج "المعرفة"!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
