في حوطة بني تميم توفيّ والدا إبراهيم وهو ابن التاسعة، فعانى الفقر والوحدة؛ ومع إيذاء الصبية له اضطر للرحيل إلى الرياض، وهناك سكن بحي منفوحة وعمل صبياً لدى أحد التجار ليعول نفسه ويبدأ حياته من الصفر. وبعد أعوام حصل على وظيفة «مراسل» بأجر زهيد في وزارة المياه والكهرباء، ينقل الأوراق والملفات للموظفين؛ ويلبي طلباتهم إلى أن تمكن من الزواج ورزق بخمسة أبناء، كان بينهم ابنه محمد الذي ولد في العام 1982.
كانت نصيحة والده له: شد حيلك واعتمد على نفسك، ما ودي تكون مثل أبوك «مراسل». أما والدته، فكان حلمها أن ترى ابنها إماماً وخطيبا لأحد الجوامع، لعذوبة صوته وحسن إلقائه.
بدأ محمد رحلة البحث عن عمل في المرحلة الثانوية، فعمل سائقاً لعمال المنطقة الصناعية، ورغم مشقة «الكدادة» نجح في الثانوية العامة والتحق بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام، وتحسنت أحواله قليلاً بمكافأة الجامعة إلى جانب دخله اليومي من «الكدادة»، لكن مستواه الدراسي انخفض فأوقفت الجامعة مكافآته، فبدأ مرحلة جديدة مع التحدي وتوظف «حارس أمن» في مبنى هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، كان يعمل 8 ساعات يومياً من دون إجازة، مقابل 1400 ريال. يقول: «في الاتصالات شاهدت أول مسؤول في حياتي وجهاً لوجه، كنت أركض لأفتح له باب السيارة ومن بعدها باب المصعد، وكان دائماً يشكرني ويطلب مني ألا أفتح له الأبواب تواضعاً منه».
بعد أشهر ترك الوظيفة لأنه لم يتمكن من التوفيق بين دراسته والعمل، فالتحق بوظيفة في شركة دعاية وإعلان اكتشف بعد شهرين أنها كانت عملية نصب واحتيال خرج منها مفلساً، لتتدهور أوضاعه من جديد. بعدها عمل موظف استقبال في شقق مفروشة بـ1200 ريال، كان يضطر خلالها إلى استكشاف ثلاجات النزلاء بعد مغادرتهم؛ لعله يجد فيها ما يأكله بدلاً عن رميه بالزبالة.
ومن وظيفة الاستقبال إلى أخرى هامشية إلى ثالثة لا تختلف عنها توجه بعدها للإعلام بعد أن فاز بمسابقة الجامعة للخطابة والإلقاء، فتقدم لاختبارات قناة «المجد» الفضائية، وعمل فيها لفترة، لكنه كان يطمح أن يلتحق بقناةٍ لها وزنها ليكون بين كوكبة من المحترفين، فاتجه إلى قناة «العربية» وطلب مقابلة مديرها في السعودية خالد المطرفي مع قناعته أنه لن يُقبل، لكنه غادر مكتب القناة مبتهجاً لأنه قُـبل «مراسلاً» متعاونا وتحقق حلمه في الظهور على شاشة «العربية»، ليختم تقاريره بعبارة: «الرياض، محمد العيدان، العربية».
في حفل جائزة الملك عبدالله للترجمة، عُرض تقرير أمام الحضور كان يلقيه محمد العيدان، وكان من بين الحضور رئيس هيئة الاتصالات السابق، يقول «كدت أن أرتمي في أحضان الوزير لأقول له بفخر، أنا موظف الأمن الذي كنت قبل سنوات أفتح لك باب السيارة».
محمد العيدان «المراسل» الذي يقوم على نقل القضايا وأحداث الناس عبر تقاريره الإعلامية، هو ابن «المراسل» الذي كان يحمل ملفات المواطنين لينقلها من الأرشيف للموظفين، وهو صاحب الصوت الجميل الذي يتسرب بين التقارير الإعلامية مثل جدول ماء عذب. لم تمنعه نشأته البسيطة من أن يضع لنفسه موطئ قدم في ميدان لا يفتح أبوابه إلا للمتميزين، وفي فضائيةٍ كبيرة يستلزم العمل فيها مواصفات لا تتيسر إلا لأصحاب المواهب الخاصة.