ليس حمار «النُّورة» وحده من عانى من الإنسان، ولا حتى حمار السقا، بل حتى ذلك الجميل الرقيق «حمار الحكيم».. أجمل «جحش» سلب ببياضه الأنظار وأدار الرؤوس!
فيه إنسانية أكثر من ذلك الجلف الغليظ الذي يسوقه صاغراً إلى حيث يريد، فلا يسعه إلا أن (يشتري دماغه) ويصبر: «اذهب بي إلى حيث شئت، فكل ما في الأرض لا يستحق من رأسي عناء الالتفات»!
ما أروع وأجمل إنسانية تعامل «توفيق الحكيم» مع هذا البهيم.. تلك علاقة يرتفع بها الأسوياء إلى منزلة الإنسانية الأسمى، فيحسُّون بالآخر حتى لو كان حماراً.
كان هذا المخلوق المسالم اللطيف»حمولاً»، ليس له أية مطالب.. إن غاية أمانيه «الأمن والسلامة»
فلا تصدقوا ـ أبدًا ـ أنه «غبي»..
إن هذه الصفة التي التصقت به لا تقدم لأكثر الناس ذكاءً إلا نصف الحقيقة.. فكيف لا نفترض «التغابي» و»التغافل» حينما تلجأ مخلوقات الله ـ غير العاقلة ـ إليه، وهي تتعامل مع ظلم الإنسان وقسوة الإنسان وصلف الإنسان؟
إنها ببساطة تهادنه يا سادة.. «تأخذه على قد عقله» لتنجو من أذاه الذي لم ينج منه هو نفسه..
حتى الإنسان السوي يفعل ذلك ليسلم من أذى أخيه الإنسان!
....
إن كل من أحبوا الحمير قرؤوا في عيونهم تلك الرسالة العميقة التي استطاع أن يجسدها بحرفيّة الكاتب الكبير «توفيق الحكيم».. ويقدم بها إنسانية راقية تجاه مخلوق «يتغابى» لينجو ممن هو أغبى منه!
وبمنتهى الرقة لا يستنكف أن يقول عن صديقه البهيم:
«إن نظراتي كنظراته الجامدة، المشرفة على عالم ساكن صاف مجهول، قد أُغلقت دون الآدميين أبوابه السبعة، المختومة بسبعة أختام».
حكمة "التغافل"!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
