الأزمة الحقيقية التي نعيشها، لا تكمن بسبب ضحالة الفكر لدى الكثير ممن يتصدرون المنابر والزوايا والمجالس، وإنما بسبب الخطأ العنيد في فهم القضايا التي يصل عمرها إلى أربعة عقود، كانت كافية لأن تفصح عن كل حقائقها وأهدافها.
هذه الأزمة أثار تداعياتها من جديد مقال لكاتب أرى أنه حاول الدفاع عن (الصحوة)، مقدما نفسه (دون كيشوت) العربي، الذي سينقذ (الجمل) الذي «طاح وكثرت سكاكينه»!. ولست أقارب في هذا النثار هذا الفكر الصحوي بالتحليل والتفصيل، فقد بان واستبان، وإنما سأحاول التذكير ببعض الأمور التي لم تعد آراء خاصة بقدر ما أصبحت حقائق دامغة:
١- حركة (الصحوة) في مجتمعنا هي التي أفضت إلى التطرف الديني، واتخذت من الإسلام ذريعة لتنفيذ أجندات سياسية سلطوية ذات أثر نفعي بين وتأثير اجتماعي مستبد (كان كاتب المقال يستبعد أن يكون للصحوة بعد سياسي مؤثر في مؤسسات المجتمع)!! وهي التي مهدت مع مرور الوقت وحماسة الأتباع لظهور (قاعدة) الإرهاب التي شوهت (إسلامنا) العظيم، وأصابتنا في مقتل (عالمي) خطير، وهي -مع ذلك- لا تلبث أن تنتج (توائم الشر) حتى هذه اللحظة التي نعيش أزمتها مع صحويي داعش والنصرة.. وبقية (الصاحين)!
٢-حركة (الصحوة) هي التي فرقت مجتمعنا إلى حزب وطوائف، فكان من (يختلف) مع مشايخها فاسقا ومرتدا وكافرا، والشواهد في تلك الحقيقة كثيرة، ابتداء من تصنيف أدبائنا ومثقفينا ضالين مضلين في (الميزان) الذي اقترحه (أحدهم) مباشرة، للوقوف ضد كل أدب خالص وفكر مستنير، ومرورا بتهديد رؤساء المؤسسات الأدبية بالقتل، وحرق (خيام) الشعر، والاعتداء الجسدي على منظمي الفعاليات الثقافية ومعارض الكتاب، وإلى (تفسيق) مثقفي البلاد على منابر خطب الجمعة بلا احتراز وتمحيص. (يكفي ما ذكره د.الغذامي - ذلك الحداثي الرصين- عن عدم قبول الذين كانوا معه في حملة الحج بالصلاة معه والسلام عليه)! والعجيب أن الكاتب ينكر بجلاء أن تكون الصحوة قد قضت على التسامح الديني الموجود في مجتمعنا من قبل، وأن تكون قد نشرت خطاب التحريم لكل جديد ونافع!
٣- حركة الصحوة هي التي عطلت الإنسان لدينا عن مواكبة تطورات العالم ونداءات الحضارة، بإصرارها على التمسك الأعمى بالفكر الاتباعي، الذي يجتر (بتصرف) أقوال السلف، للتأكيد على
(سد) كل (الذرائع والأبواب والشرفات المشرعة للمعرفة)، ليكون الناتج من تلك العقلية (الجبرية) أفرادا منغلقين على ذواتهم، (مستبعدين) تماما لأهمية العلم في القضاء على أفكار الخرافة والشعوذة والقدرية المجردة من الأسباب، غير مستقلين بالكلية عن سلطة الرموز البشرية، وليسوا متأكدين من قدرة ذواتهم على اتخاذ دور فاعل في الشؤون المجتمعية والسياسات المحلية!
٤- ومن المؤكد في هذه الأثناء أن مشروع ذلك الإنسان (الحر.. الحديث) كان يبدأ أولى خطواته الطبيعية الفطرية في معانقة الحياة قبل أن يجيء (الصحويون) و(يعطلوا) كل شيء! كما أن مجتمعنا قبلهم كان يتوافر على قيم دينية وإنسانية متزنة وخالصة ومثمرة من التكافل والتواد والتسامح والوطنية!
ومما يثير الغرابة (حقا وحقا) قول الكاتب بأن «المجتمع قبل الصحوة لم يكن متقدما ومثقفا، ولم يكن زاخرا بالتعددية القائمة على قبول الآخر، ولم يكن لديه إنتاج أدبي وفني وسينمائي غزير!» لأن كل الذي نفاه الكاتب كان موجودا (بالتمام والكمال)، فلم يعرف مجتمعنا قبل (الصحوة) -على الإطلاق- أي تصنيفات وإقصاءات، كما أن جيل الناشئة من الشباب (التائهين الآن بين بطالتهم ونداءات أحفاد الصحويين في الشمال) كانوا مفعمين بالحس الجمعي والروح العملية المتقدة والشعور الحاد بالمسؤولية، بل إن مثقفي البلاد قبل الصحوة بـ(٧٠ عاما) كانوا ينادون -بوعي خلاق- أن «يعيش أفراد مجتمعنا الحياة الحديثة وأن يفكروا بعقولهم، ويكونوا أحرارا وعقلانيين، وأن يتبنوا مفاهيم التقدم والتعددية..».
ألا يعرف الكاتب أن ما يقارب الثلاثين دارا للسينما كانت في مدينتي جدة والطائف (وحدهما)!
..وبعد، فيتخيل للمرء -غالبا- عندما يقرأ بعض الكتابات، أن أصحابها كانوا في جزيرة بعيدة عن هسيس ما يدور في الأرض المجاورة من ثقافة ومعرفة، ثم طرأ على بالهم فجأة أن يكتبوا فكتبوا ما يفاجئ ويفجع!
الجمل الذي صحا فنام الناس..!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
