عندما دخلت كلمة «استرضاء» لأول مرة الاستخدام السياسي، كان يفترض أن تكون شيئا جيدا. في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت صحيفة تايمز مهووسة، مثل كثير من الناس الطيبين، بفكرة أن «معاهدة فرساي» بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن عادلة على ألمانيا المهزومة. ولذلك، كلما كانت ألمانيا تتذمر، كانت صحيفة تايمز تطالب (أكتوبر 1937) «بفعل أي شيء لاسترضائها.» لم يكن أحد يستطيع الادعاء أن نهاية الحرب الباردة كانت بنفس القسوة على المهزومين -روسيا- كما كانت معاهدة فرساي على ألمانيا. لكنها كانت مهينة. أسقطت روسيا من مكانتها كقوة عظمى وأزاحت سيطرتها عن عدة أماكن كانت تعتبرها ملكا لها. لكن بتوسيع الناتو والاتحاد الأوروبي شرقا، أغضب الغرب روسيا.
هذا الغضب أنتج جهات في الغرب تريد استرضاء روسيا. هناك الكثير من الأشخاص الذين يرون أن ما يحدث في أوكرانيا هو خطأ الغرب بسبب المعايير المزدوجة وليس خطأ فلاديمير بوتين.
لكن الحكام الدكتاتوريين كاذبون. هم لا يؤمنون بسيادة القانون داخل بلدانهم أو في الساحة الدولية. وهم يكرهون التعبير الصادق عن الرأي. هم لا يثقون بقادة الدول الأخرى. كل ما يهمهم هو سلطتهم التي يرونها بشكل ثنائي: هم يستطيعون الفوز دائما من خسارة الآخرين.
وفيما يلي بعض الخدع التي يلعبها الحكام الدكتاتوريون:
1 - الاستفتاء المفاجئ. في نوفمبر 1933، دعت ألمانيا إلى استفتاء على سياستها الخارجية، وجاءت النتيجة أن 90% يؤيدونها. في شهر مارس هذا العام، بدعم من الروس، تم إجراء استفتاء سريع في شبه جزيرة القرم، وجاءت النتيجة أن 96% يؤيدون انضمام القرم إلى روسيا.
2 - إلهام مليشيات محلية يمكن التخلي عنها عند الضرورة. كانت هذه لعبة الدكتاتور الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش. وزير الدفاع البريطاني وليام هيج ارتكب خطأ مؤخرا عندما قال إن بوتين كان يفقد السيطرة على المشاغبين المتطرفين في شرق أوكرانيا. لا يهم الدكتاتور أن يتجاوز أنصاره المحليون كل الحدود. هذا يعطيه دورا أكبر عندما يتوسل إليه الآخرون كي يساعد في تهدئة الأمور.
3 - التغيير المفاجئ في الاتجاه. استبدال الغضب فجأة بالأصوات المسالمة والعكس بالعكس. بعد استعادة الاستيلاء على منطقة «السار» في 1935، قالت ألمانيا إنها «مستعدة تماما لنبذ الحرب» وإنها راضية عن معاهدتها مع بولونيا. الآن، تقول روسيا إن هناك «حربا أهلية» في شرق أوكرانيا، وبهذا تبرر استخدام العنف. ولكن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، يصبح بوتين أكثر سلمية.
4 - الدعاية الإعلامية للفعل. افعل شيئا سيئا للغاية وشاهد العالم كيف يتخبط. هذا لا ينجح دائما، لكن الحاكم الدكتاتور يفهم نقاط ضعف خصومه. رغم أن ما حصل في القرم كان غير قانوني، رد الغرب بشكل هزيل وسمحت أوكرانيا لوجودها العسكري هناك أن ينهار.
5 - عدم التوقف. لا يمكن إشباع الجوع إلى السلطة. فيما يفكر العالم بأسى بما يحدث في أوكرانيا، بدأ بوتين يجبر جيرانه في الاتحاد الأوراسي -بيلاروسيا و كازاخستان- للخضوع لإرادته العسكرية. هو يتجاهل واجبه بإبلاغ حكومة ليثوانيا عما يفعله في الجيب البحري الروسي في كالينينجراد.
إن روسيا المعاصرة أقل استبدادا من الحكم الشيوعي السابق، لكنها بعكس الاتحاد السوفيتي، روسيا تملك الكثير من الأموال الغربية وهي تستخدمه للدفع للأوروبيين. قنواتها التلفزيونية فيها مذيعون غربيون. النخبة الحاكمة في روسيا يتنافس عليهم سماسرة العقارات في لندن وبائعو اليخوت في الريفيرا. البنوك الغربية قدمت قروضا لأثرياء روسيا بشروط سهلة. الغرب يشتري الغاز منها. المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر له علاقة قوية مع صناعة الغاز والنفط في روسيا وقد احتفل مؤخرا بعيد ميلاده السبعين في سانت بطرسبرج وكان بوتين ضيف الشرف في حفلته. مراكز بحث خرقاء تنشر أفكار بوتين.
إن الخطأ الرئيسي للذين يلجؤون للاسترضاء هو أنهم يقولون «دعونا نكون منطقيين» لشخص لا يعرف أي شيء عن المنطق، وهكذا ينتهي بهم الأمر، عن طريق الخطأ، إلى تأييد الطغيان. في شهر يناير من عام 1939، جاء في افتتاحية صحيفة تايمز الرئيسية أن «بعض المظالم في أوروبا التي كانت تهدد بنشوب حرب تم تعديلها الآن دون حرب، مع أن... التعديل تم بشكل سريع وغير ناضج، ويحمل علامات القوة.» بعد أقل من تسعة أشهر على ذلك اندلعت الحرب العالمية الثانية. يبدو أن بوتين يقوم بحل «مظالم محددة» بهذه الروح.
ليس من السهل رؤية ما يمكن أن يفعله الغرب حيال ذلك، لأن الغرب يبدو بوضوح أنه لا يملك الإرادة.
التاريخ يعلمنا أن لا نسترضي بوتين
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
