بداية أتفق مع ما قال به الكاتب إبراهيم الفرحان في مقاله «وليد أمريكا» بالعدد 9 من صحيفة مكة، من أن «غياب الإيمان الحقيقي بقيمة العمل أيا كان يعتبر من الأسباب الرئيسة لتفشي ثقافة العيب داخل مجتمعاتنا»، وأن «أمامنا الآن فرصة حقيقية بعد خروج مئات الآلاف من العمالة الوافدة التي سيطرت على كثير من المهن للبحث جديا في تفعيل فرص تسليم بعض تلك المهن تدريجياً لشبابنا» –على حد تعبير الكاتب.
والحقيقة أن ثقافة العيب هذه ربما تكون سببا في القضاء على منابع الإبداع في مجالات شتى – خاصة المجالات الحرفية - وخاصة أن هناك من ينظر إلى كل جديد على أنه بدعة تشين صاحبها، فما بالنا بمن يمتهن مهنة لم يعتدها السعودي!
إننا –بحق- في حاجة إلى تنوير المجتمع والارتقاء بوعيه إلى درجة تمكنه من التفريق بين ما هو ديني ينبغي احترامه وتوقيره والثبات عليه، وبين ما هو عاداتي – وربما يخالف صحيح الدين أيضاً - ويتمسك به البعض على أنه من الثوابت التي لا ينبغي الاقتراب منها.
قديما كان تعليم المرأة مشكلة كبيرة ترتقي لدرجة العيب، ثم اكتشفنا فيما بعد أن المشكلة الأكبر، بل العيب الحقيقي هو جهل المرأة وعدم تعليمها.
وقديما أيضاً كان مجرد وجود اللاقط الهوائي على أسطح بعض المنازل يعد قدحاً في أصحابها. والآن لا نكاد نجد منزلاً يخلو سطحه من هذه اللواقط.
وببعض الوعي أصبح الحديث الآن عن امتهان مهنة معينة ليس عيباً، بل بدأنا نرى تطبيقاً عملياً على ذلك، فوجدنا «الميكانيكي السعودي»، و»بائع الخضار السعودي»، و»السائق السعودي»، وبمزيد من الوعي سنرى المزيد من الشباب السعودي المتفتح، والذي يدرك قيمة العمل، في شتى المجالات: النجارة، والسباكة، والنظافة، والحدادة... وغيرها.
لقد انتهى عصر الكسب بلا عمل، ومتطلبات الحياة أقوى من أن نتعالى على العمل مادام شريفاً، بل إنني أرى أن الكسب بلا عمل هو العيب الحقيقي، ولا ننس أن آدم -عليه السلام – كان فلاَحا يحرث الأرض ويزرع بنفسِه، وكان نبي الله إدريس -عليه السلام- خيَّاطًا؛ وكان نوح -عليه السلام- نجارا، ونبي الله داود -عليه السلام- قال عنه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- « مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كان يرعى الغنم، وكذلك بقية الأنبياء عليهم السلام، كانوا يعملون، فأين نحن من هؤلاء الأنبياء الذي اصطفاهم الله تعالى لهداية البشر، وإخراجهم من الظلمات إلى النور!
المؤكد أننا في حاجة إلى مزيد من الوقت لكي تترسخ تلك القناعات؛ إذ لن نعدم بيننا – نحن الشباب السعودي- من يأخذه الكبر والتعالي والوجاهة الزائفة، فيفضل البقاء عاطلاً على أن يعمل في مهنة يراها –بغروره - أقل من طموحه، أو أن المجتمع – بتقاليده البالية - يرى فيها دونية لا تليق!
وإلى أن يأتي هذا الوقت الذي تتغير فيه القناعات البالية، علينا بالمزيد من إعلاء قيمة العمل في نفوس الشباب، وحلحلة وإزاحة المفاهيم القديمة في عقول الذين يجعلون من التقاليد المجتمعية قيداً حديدياً لا يجوز كسره، والانعتاق من أسره.
ولعل نموذج «وليد أمريكا» يكون حافزاً لمن يراوح مكانه، وتتجاذبه الرغبة في العمل من ناحية، والخوف من نظرات المجتمع الحادة من ناحية أخرى، ليخلع رداء الخوف وينخرط في عمل مهني أو حرفي يحقق له مستقبلا أفضل.