مع استئناف المواجهات بين الحكومة المالية من جانب، والحركة الوطنية لتحرير أزواد من جانب آخر، تبدو هشاشة الوضع الذي أسفرت عنه العملية العسكرية التي شنتها فرنسا العام الماضي، لتحرير شمال مالي (أزواد) من الجماعات الجهادية، والحفاظ على الوحدة الترابية لمالي.. في البداية كان التدخل الفرنسي ناجحا، على الأقل في نظر بعض المراقبين، فالقاعدة وهي المبرر الأول للتدخل طُرِدت، كما أن هناك عودة ولو نسبية للأمن، فضلا عن اتفاقية وجادوجو بين مالي والحركة الوطنية لتحرير أزواد، وما تلاها من تنظيم انتخابات رئاسية في باماكو، لكن المتابع للأمور عن كثب يعرف أن هذا النجاح لم يدم طويلا، فصحيح أن القاعدة تلاشت واختفت مع التدخل، ولا تزال فرنسا تسدد لها ضربات جوية من حين لآخر، لكن كل ذلك لم يمنع القاعدة من الظهور هنا أو هناك في الصحراء عبر بعض العمليات النوعية.
أما الاستقرار الأمني فتمنع التركيبة العرقية المعقدة، وما أفرزته من عنصرية متجذرة من استتبابه، إذ لا يزال أصحاب البشرة الفاتحة يخشون دخول بعض المدن مخافة استهدافهم، كما لا تزال المناوشات القبلية تثار بين الفينة والأخرى، وآخرها مواجهات القبائل العربية في «لرنب» غرب تمبكتو و»إن أفارق»، شمالها مع بعض المكونات في أما كن أخرى.
اتفاقية واجادوجو التي تعد الثمرة (السياسية) للتدخل العسكري، لم تتجاوز مكان توقيعها، وبالنظر إلى انتخابات باماكو، نلحظ أن من كانوا السبب في تفجر الأحداث لم تكن تعني لهم شيئا، بل لم يكترثوا بها، ما يعني أنه لا جديد، عدا غياب الاستقرار عن العاصمة نفسها، فالأوضاع قابلة للتفجر فيها في أي وقت.
ما سبق أعلاه يؤكد أن نسبة النجاح ليست بذاك، ولكي يتحقق النجاح الكامل لفرنسا في تدخلها، عليها أن تعمل بوصفة علاجية متكاملة لا تهمل الجوانب التاريخية والسياسية للصراع، أول عنصر في هذه الوصفة: أن تتذكر أنها أكثر من يعرف الخلفيات الحقيقية لهذا الصراع، فهي تدرك جيدا أن هذا النزاع (الذي انطلق منذ الستينات الميلادية) سبق ميلاد الجماعات الأصولية، والقاعدة تحديدا، دون نفي لوجود الأخيرة أو التشكيك فيه، فالصراع متجذر كما يعلم الفرنسيون، وبحسب التجربة فإن المسكنات لا تجدي معه، إذ ما يلبث أن يعود إلى الظهور في كل مرة تخبو فيها ناره، ولئن كان في السابق يذكيه المسلحون وحدهم، فإنه اليوم أصبح على لسان كل طفل وامرأة وشيخ، وسيظل كذلك ما لم يكن هناك حل جذري لبواعثه أو بعضها.
الثاني: إشعار كل الأطراف أن التدخل الفرنسي والأممي لم يكن لحساب أحد دون آخر، فقد رأينا أثناء أحداث «كيدال» هذا الأسبوع كيف تظاهر كثير من مؤيدي الجيش المالي وأحرقوا سيارات القوات الدولية وسيارات الجيش الفرنسي، بعد أن اتهموهم بالتهاون في صد هجوم الطوارق على مقرات الحكومة المالية في كيدال، ظنا منهم أن التدخل الفرنسي إنما كان لمصلحتهم فقط!
ثالثا: الكف عن العبث بالتركيبة القبلية المعقدة في الشمال، عبر تسليح بعض القبائل وتأليب بعضها على بعض، وخلخلة التحالفات القبلية التي كانت حجر الأساس في استقرار المنطقة خاصة إبان الفترة التي كانت تسيطر فيها فرنسا على المنطقة في القرن الماضي، أم أن الفرنسيين نسوا ذلك؟!.
الرابع: بعث الموروث الثقافي للمنطقة الذي يكاد يندثر أمام ثقافات شرقية وغربية، فهو أهم وسائل الاستقرار خاصة من الناحية الفكرية.
الخامس: أن يدرك الجميع وفرنسا على الأخص أن استتباب الأمن لا يمكن أن يتحقق في هذه المنطقة بأي حال من الأحوال إلا على يد سكانها من الطوارق والعرب، وأن أي محاولة لإقرار الأمن، لا تمر بهم مجرد عبث وإهدار للوقت.
السادس والأخير: أن يكون المواطن العادي المغلوب على أمره هدف أي تسوية جديدة ترعاها فرنسا، وليس حملة السلاح وبارونات الحرب، وما لم يحصل ذلك، وتجد هذه الوصفة ما تستحقه من اهتمام لدى صانع القرار الفرنسي، سيظل حمل السلاح الوسيلة الوحيدة للفت الانتباه وانتزاع الحقوق.