مشهد صاعق ذلك الذي استضاف فيه الإعلامي توفيق عكاشة تلك السيدة التي تتمتم بكلمات إنجليزية ركيكة ورديئة التركيب وغير واضحة المعنى وتتهجم بها على الرئيس الأمريكي وهي تردد (شت أب يور ماوس أوباما) وتتبع تلك الجملة بوابل آخر من الشتائم. وإذا التمسنا العذر لتلك السيدة البسيطة على اندفاعها غير المتزن، فما عسى أن يكون العذر للإعلامي توفيق عكاشة صاحب قناة الفراعين على تقديمه تلك السيدة على أنها تمثل نساء مصر وتتحدث باسمهن؟ ألا يعي ذلك الإعلامي أن إبراز هذه الشخصية التي لا تحسن الكلام ولا تلتزم بأبسط قواعد أدب الحوار إنما يسيء إلى مصر وكل المصريين؟
والعجيب أن مفاجآت الإعلاميين العرب لم تتوقف عند هذا الحد، بل قام منتدى الإعلام العربي في دبي بدعوتها للحضور والمشاركة في فعاليات المنتدى، كيف لا وتلك السيدة صاحبة العبارة الشهيرة لأوباما حصلت على لقب «ذات الرداء الأخضر» وتحولت إلى نجمة فلاشات وباتت تنافس العديد من الإعلاميين في عالم الشهرة، حتى إن الكثير من مشاهير الإعلاميين العرب قد تزاحموا حولها لأخذ الصور إلى جانبها، وهي مستمرة في ترديد نفس الكلام وإلقاء نفس الشتائم والترهات، ومعشر الإعلاميين العرب يستمعون إليها وهي تتكلم بهذه الطريقة المضحكة ويضحكون عليها فتتابع بلا تردد!!! وهكذا يستمر هذا المسلسل السمج التافه، والضحية صورة الإنسان العربي ومستوى القيم التي يتحلى بها.
إلى متى يتعاطى الإعلام العربي مع قضايانا بهذه السطحية التي تفتقد أبسط مقومات المهنية، وكيف تحولت تلك الرسالة بذيئة الألفاظ ركيكة اللغة إلى مادة إعلامية دسمة تم استثمارها بأبشع الصور، حيث تحولت تلك الرسالة إلى «ريميكس» يتغنى بها الشباب ويتراقصون على نغماتها، وقام كثيرون منهم بتقليدها وبث الفيديوهات على شبكة يوتيوب وتطور الأمر إلى طباعة صورة تلك المرأة مع العبارة الشهيرة «شات أب يور ماوس أوباما» على قمصان وتسويقها بشكل تجاري، كما ظهر موديل آخر من القمصان تظهر فيه عبارة «شات أب يور ماوس أوباما» مع استبدال كلمة «ماوس» بصورة فأرة كونها لفظت تلك الكلمة بطريقة غير صحيحة، وهي في الواقع تعني «ماوث».
أكاد أجزم أن كثيرين ممن دخلوا المجال الإعلامي في العالم العربي يجهل أساسيات الإعلام، فيعتقدون أنه مجرد تقديم للأخبار والمعلومات كيفما اتفق، وغاب عنهم أن الإعلام بالإضافة إلى ذلك مهارة في صنع التباين وتقديم الحلول من خلال تناول الموضوعات التي تمس المجتمع وفقا للضوابط الشرعية والقانونية والقواعد المهنية حتى لا يتحول إلى فوضى انتهاك للمعتقدات والقيم الاجتماعية، وذلك لغرض الحفاظ على مكسب حرية التعبيرمع أهمية توجيهه إلى ما ينفع الناس. المطلوب من الإعلام العربي التمسك بالمعايير الأخلاقية، والمبادئ الأساسية لآداب التعاطي الإعلامي وتعزيز الالتزام بالقواعد المهنية والقيم الاجتماعية وترسيخ الأخلاقيات الإعلامية الرفيعة وأطر الانضباط التي تحكم سير التعاطي الإعلامي.