ما زالت الشفاهية (وكالة يقولون) هي المتحكم الأكبر في كتابة تاريخنا منذ الملك الضلِّيل الزميل/ امرئ القيس؛ وهو ما جعل طه حسين يستبعد الشعر الجاهلي كله من مشروعه الثقافي المعطَّل إلى اليوم استناداً إلى قاعدة: (ما تطرَّق إليه الشكُّ سقط الاستدلال به)!
وفي بيشة أسطورة ما زال الناس على مدى أجيالٍ (يقصُّونها) من جميع الأطراف، ويزيدونها ويعيدونها، ويسمُّون أبطالها حيناً، ويستعيبون ذلك في أكثر الأحيان لأن بطلتها (حرمة)!
تقول الأسطورة في نسخةٍ حقَّقها زميل الرحلة السياحية الدكتور/ محمد الحمادي وهو واقف في (الباص) وكنية سائقه الشهم (أبو صلاح): إن فتى عسيرياً أحب إحدى بنات قريته الفاتنات وتقدم لخطبتها لكنه لم يستطع دفع المهر ولو بالأقساط، فهاجر إلى الحجاز (بدون كفيل) وظل (يحوِّش) مدة طويلة فلما عاد وجدها تزوجت رجلاً بدوياً غنياً (قبل البترول)، فهام على وجهه يفتش عنها، وبعد رحيل العمر قرر العودة مهزوماً مكسور الوجدان، وفي الطريق أنزله الليل ضيفاً على أقرب نارٍ رآها، وأكرمه رجل البيت ثم أوصى به زوجته وانطلق فجراً ليرعى ماشيته الكثيرة (وين جمس بوند عنهم؟) ورحبت الزوجة بالضيف وقدمت له (القدوع) وإذا برماد السنين يتطاير بمجرد أن سمع صوتها؛ فوجَّه لها بيتين ليتأكد وهي شاعرة أيضاً:
يا صاحبي عطني من الود ريشة
هديةٍ يصخى بها راعي المال
من شي لا يسمن ولا منه عيشة
لكن سواتي ينفعه لو بعض حال!
ماذا يريد؟ ضحكتها ليجعلها نغمة لجواله؟ صورتها مبرقعةً لتكون خلفيةً له؟ أن ترجع إلى (المحرم) وتدخل معه (سكايب)؟ و.. ردت عليه فوراً:
يا صاحبي ما ارضى عليك الغشيشة
اشرب من الدلة ولا مثلها فال
أهل النخل عيَّوا على تمر بيشة
واثنين ما يقسم لهم مال رجَّالْ!
ماذا لو تصدى شاعرٌ فنان وصاغ ملحمة الحب العذري هذه (أوبريتاً) حقيقياً لمهرجان البادية القادم؟
سياحة الحب وهيئته وآثاره!!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
