تقول هولندا إن الإساءة للإسلام وقعت من رجل مراهق ووحيد، وتريد الاعتذار، ورفع قرار المقاطعة السعودية الرسمية والشعبية معا، ولا شك أن هولندا تقول هذا برغبة ملحة، وتأتي محملة بهذه الرغبة، ولكننا نعرف أن جعبة هولندا تحمل أكثر من هذا بكثير، وفي العادة لا يخرج السياسي كل ما في جيبه من أول جلسة على الكرسي، ويظل يخفي بعض المفاتيح لحين الاضطرار، وفي المقابل فإن لدى المملكة رصيدا معنويا سيؤثر على موقفها، وقد كان موقفا راقيا من حيث قيمته الأخلاقية والثقافية، والتفاوض على المعنويات حرج جدا، ويصعب تقرير اللحظة التي تحدد نقطة الحق ولا تزيد إلى الإفراط في الحق، وهنا يأتي السؤال عما يمكن عمله أمام دولة تعتذر عن حماقة بعض أبنائها، وكيف نميز بين حق ثقافي عام وحق سياسي تفاوضي، وهنا يأتي التصور الجوهري، وهو أن المسلمين الهولنديين من مواطني هولندا هم الأحق في هذا الأمر، مثلهم مثل اليهود الأوروبيين حيث تصرفوا كمواطنين أوروبيين وناضلوا لعقود لكي ينالوا حقهم في تجريم العنصرية ضد السامية، وحال المسلمين في أوروبا بعامة أنهم مواطنون هناك، وتتشابه ظروفهم الثقافية مع اليهود، ولهم الحق المعنوي للحصول على قانون مماثل كما هو لليهود، ويجري تجريم العنصرية ضد الإسلام لأنها تمس مواطنين مسلمين شركاء في الوطن نفسه. ولكن هذا يحتاج لنضال طويل ومماثل لما فعله اليهود حتى حققوا مرادهم.
هنا يأتي دورنا في هذه القضية بحيث تكون مسؤوليتنا المعنوية في اقتناص هذه الفرصة لربط هولاندا الرسمية مع مسلميها أولا، وأن ما يرضون به هو ما نرضى به نحن، وحينها نعزز موقف الجاليات المسلمة في أوروبا عامة ونجعلهم في مقدمة الصفحة التفاوضية، ونعزز عبرهم ثقافة السلام والمحبة ليكون نضالهم للحق بطريق الحق، وستكون خطوة معنوية كبيرة جدا لتحقيق توازن معنوي يشعر العالم كله أن الثقافة الإسلامية ثقافة سلام ومحبة، لكنها ليست ثقافة خنوع ولا تفريط في القيم والمعنويات، وكذا هي تعزيز للقيادة المعنوية للمملكة، بدءا من قرار المقاطعة وامتدادا مع تفاوضية صيغة الاعتذار، وكيف يصل إلى الدرجة المقبولة والمشرفة معنويا، وكما حرك قرار المقاطعة مياه الصمت الهولندي، فإن صيغة الاعتذار وصفته ومستواه ستحرك المعاني العليا لثقافتنا، ولتحريك قيمة كل مسلم يعيش في أوروبا مواطنا هناك، ويشعر أن ألمه له من يضمده، وأن المملكة قيادة معنوية وأخلاقية مثلما هي ثقل سياسي واقتصادي، وإذا ربطنا قبولنا للاعتذار بشرط قبول الجالية به أولا، فهنا نجعل المسألة ثقافية وأخلاقية، وليست مجرد اقتصادية سياسية.
إهانة الإسلام.. هل يكفي الاعتذار الهولندي...؟!
عبدالله الغذامي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
