دون كيشوت.. رواية إسبانية مشهورة ألفت قبل أكثر من 400 عام، وترجمت لكل لغات العالم الحية .. وهي باختصار؛ أن هناك رجلا أدمن قراءة سير الأبطال والنبلاء حتى انقطع عن الواقع المعاش وأصبح مغيبا عنه، وتصور أنه البطل الأسطوري الموعود الذي لا يقهر والذي سينشر العدل والسلام في العالم. ركب فرسه الهزيل، وقبل أن يخوض معاركه الوهمية، بحث عن تابع ساذج مسكين من أهل قريته يصدقه ويتلقى عنه الضربات ما أمكن...! وقد وجده، فالسذّج كثر في كل زمان ومكان! المهم أن تخيلاته المريضة صنعت له معارك وهمية خاسرة اصطدمت بالواقع والحقيقة.. ولكن دون كيشوت أقنع نفسه وتابعه المسكين أن هناك تآمرا من الجن والسحرة والناس عليه، حال بينه وبين تحقيق الانتصارات!
ودون كيشوت في مقالتي هو ذلك المتصنع بالفضيلة والمتستر بالدين والمحتكر لرؤية تعتدي على سلطة الله وسلطة ولي الأمر وسلطة القضاء الشرعي في محاسبة الناس وتصنيفهم ما بين فاجر وفاسق وكافر، بل وتوزيعهم على جنة ونار الخالق سبحانه وتعالى!
وإذا كان الإسلام العظيم دين الفطرة الذي بعث الله به المصطفى صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، دينا بسيطا غير معقد يعلمه المصطفى عليه الصلاة والسلام للقادمين من أقاصي البادية في دقائق معدودة! فلماذا يكون بعضنا تابعا لأسوأ صورة كاذبة عنه، وأوقح تصور أنتجه خيال مريض؟!
كيف نقبل على أنفسنا أن ندافع ونتبع من يصنف الناس ويحتكر الدين والحقيقة ويشتم وينتهك الأعراض لأنه يقول عن نفسه «رجل دين» أو نراه نحن كذلك؟ وهل هناك رجل دين... ورجل لا دين في الإسلام؟.. ما تربينا عليه أننا جميعا مسلمون، وليس عندنا كنيسة ترتب الناس على طبقات ورتب! اختلف الصحابة رضي الله عنهم وتقاتلوا فيما بينهم ولم يتهم أحدهم أحدا في دينه وإيمانه.. وبعضنا بأدنى اختلاف كفر الناس، وبأبشع الدعوات والافتراءات هتكوا ستر الناس، ونالوا من خصومهم أو مخالفيهم!
نسوا وأخذتهم العزة بالإثم أن الله تعالى كفيل بنصرة المظلوم ولو بعد حين.. وأنه جل جلاله سيسقيهم من نفس الكأس التي طالما سقوها للناس ظلما وافتراء أو جهرا بالقول السيئ بين الناس!
علام نخوض معارك وهمية بيننا لم يبق فيها لشرف الخصومة ومروءة الرجولة مكان.. وعلام يتبعهم الناس كما تبع القروي المسكين دون كيشوت؟ فلا سلطة الله بأيديهم ولا سلطة ولي الأمر عندهم! ولا هم في مرة قد دافعوا أو ذبوا عن وطنهم من تهمة أو فرية، بل إن بعضهم يعاني انفصاما فكريا يرى الرذيلة عند الآخرين فضيلة، والفضيلة في وطنه نقيصة ورذيلة!
ورحم الله المتنبي حين قال:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل