تتوالى الأحداث الجسام، والخطوب العظام، فتزيد هذا الشعب السعودي صلابة والتفافا حول قيادته وسلامة وطنه، فمن فتنة الحرم، إلى حرب الخليج الثانية، إلى أيام «شد الحزام» ثم موجات الإرهاب الشرسة التي تصدى لها الشعب والقيادة بالوعي والحزم حتى انتصرنا عليه بتوفيق الله، وما يزال الشعب متمسكا بوفائه وولائه.
الناظر في سيول الدمع التي ثجها الشعب حزنا على رحيل المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ يتعجب كثيرا، ففي زمن يموج بالثورات والفتن الرهيبة، وما يسمى بالربيع العربي، وشعوب تقتل قياداتها، وقيادات تبيد شعوبها، يرى هنا على أرض المملكة العربية السعودية شعبا أصيلا وقيادة رشيدة، تعاهدا على بناء قبلة المسلمين حبا وأمنا ورفاهية، تشهد على متانتها الدموع الغالية على فقدان أبي متعب، التي أرخصتها عيون الأطفال، والشيوخ، والنساء، حتى دموع الرجال همت على عزتها.
كافأ الله هذا الشعب الوفي بصنو أبي متعب، الحكيم الإنسان الملك سلمان، ذي الأيادي البيضاء في أعماله الحكومية والعلمية والخيرية، والحازم في الأوقات الصعبة والخطوب الدهماء، فرغم المصاب الجلل، هناك ابتسامة تتشيأ على الشفاه والأرواح بهذا القائد الفذ، الذي يعلم جيدا مَن هو الشعب السعودي، ويعرف مستوى نضجه ووعيه، حينما وظّفت الدولة كل إمكاناتها في عهودها الماضية في بنائه وتثقيفه، وذللت أمام ذلك الصعاب.
يبتسم الشعب بسلمان؛ لأنه يدرك عميقا أن الرجل الذي أبدع جوهرة الصحراء (الرياض) حتى أصبحت من أكبر مدن الشرق الأوسط وأجملها وأهمها، ويعلم أيضا تجذره الفكري الأصيل في تاريخ أمته، وحرصه على صياغة هويتها المميزة، ولأنه وعد بإكمال المسيرة التي ركزت استراتيجياتها على بناء الإنسان السعودي، الذي ينتظر توجيهات قيادته، وينتظر اللحظة التي ينتقل فيها من مرحلة التنظير والإعداد إلى مرحلة الفعل الحقيقية، وتجسيد ما تعلمه في شتى بقاع الأرض على أرض وطنه واقعا ملموسا، خاصة في المجالات الصناعية والإنتاجية، وتنويع مصادر دخل البلاد، حتى تأخذ مكانها الطبيعي الذي يوازي حجمها ودورها السياسي والاقتصادي بين دول العالم.
التفاؤل بعهد زاهر مميز هو عطر مجالس الشعب اليوم، وقد اختار خادم الحرمين الشريفين حوله نخبة من الشباب اللامعين الطموحين، ويتكئ على رصيد من الوزراء المخلصين المستنيرين اختارهم الملك عبدالله قبل رحيله، ويسانده شعب واعٍ حصيف مخلص، وقاعدة تعليمية عريضة، لبدء مرحلة مختلفة عن كل المراحل السابقة، يستشرفها الكثيرون بالمزيد من التفاؤل، في تحقيق أحلام المواطن السعودي، حينما يستقلُّ سيارة وسفينة وطائرة وقطارا من صنع أيدي أبناء وبنات هذا الوطن وعلى ثراه، وأن نتابع هذه المنجزات على شاشات تلفزيونية وحاسوبية من صنع أيدينا، وأن تدخل أجسادنا أغذية وأدوية مأمونة من إنتاج شباب هذا الوطن، وأن نغطي أجسادنا بمنسوجات صنعت على ثرى وطننا.
يتفاءلون ـ أيضا ـ أن تكون لنا ريادات أخرى إلى جانب الريادة السياسية والاقتصادية، فإن أخذتني حماسة الحديث عن الريادة الصناعية والتقنية، فلا يمكن بحال أن أغفل عن حاجتنا الماسة إلى الريادة الثقافية شبه الغائبة، في ظل غياب المشاريع الثقافية المؤطرة برؤى استراتيجية بعيدة النظر، فريادتنا الثقافية هي التي تعزز هويتنا من خلال ما ننتجه من آداب وعلوم وفنون تدفع الحضارة الإنسانية، ولا تكرر إبداعات الآخرين، وأن تكون لنا ريادة إنسانية فوق التبرعات المادية والعينية، كمشاركة أبنائنا في مهام كونية فضائية أو مناخية أو صحية أو إنقاذية في مثل كوارث السفن والطائرات، والكوارث الطبيعة، وهذا ما سمعته قبل يومين من شباب مؤسسة (غوث) التطوعية، في لقائهم مع داوود الشريان.
وتصاحب كل هذه الريادات وغيرها ريادة إعلامية جبارة يديرها أبناؤنا في الداخل والخارج.
نعم متفائلون، ويحق لنا أن نتفاءل ما دام الحكيم سلمان بنظرته البعيدة، وصدقه وإخلاصه هو مبعث هذا التفاؤل، وإنا إلى الشمس مع القائد الطَّموح سائرون.
قُدنا إلى الشمس!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
