أكثر من 15 كلم من الطرقات الوعرة والمدمّرة على المرء أن يسلكها قبل بلوغ بلدة «جاجا» الواقعة على بعد نحو 30 كلم من «يالوك» (200 كلم شمال غرب العاصمة بانجي).
جولة سريعة كفيلة بحوصلة الدمار الذي لحق بالمنازل والمباني، وحوّلها إلى ركام من الأنقاض الشاهدة على ضراوة الاشتباكات التي تجدّدت في أكتوبر 2013 بين جماعة السيليكا وميلشيات أنتي بالاكا.
يوحي النزاع بأنه يحمل في ظاهره طابعا طائفيا، غير أنّه في واقع الحال يستبطن منافسة شرسة بشأن السيطرة على تجارة الذهب في تلك المنطقة.
فالطائفتان المسلمة والمسيحية تتعايشان بشكل شبه طبيعي، وبمنأى عن الخلافات الجوهرية إلاّ أنّ الخلاف الحقيقي يكمن في البحث عن سبل الهيمنة على تجارة مربحة لمعدن ثمين هو الذهب.
على بعد بضعة كيلومترات من البلدة، ينتصب موقع على مساحة شاسعة.
كانت الأرض المنبسطة في ذلك المكان مكسوّة بحفر متتابعة، تكدّست على جانبي كلّ منها أكوام من الأتربة.
كانت عملية الحفر تستهدف الوصول لطبقة الحصى التي تحتوي على الذهب.
ولتحقيق الهدف المنشود، يقوم عدد من الأشخاص بتحريك أحواض صغيرة في شكل لولبي وبطريقة متأنّية تضمن فصل التراب الأسود عبر قوة الطرد المركزي التي تحدثها الحركة الدائرية عن الحبات الصفراء، في حين يقوم جمع آخر بغرس أرجلهم في الوحل لإحداث حفر تصلح كمتنفّس للأرض، تحضيرا للمرور لمرحلة تصفية الحبات الصفراء اللامعة، وفصلها عن بقية شوائب الأرض.
وبعد الانتهاء من ذلك، يتمّ تقسيم كميات الرمال والحصى المستخرجة من الحفر بين العمّال الموجودين هناك، لينال كلّ واحد منهم نصيبه منها، على أمل أن يبتسم له حظّه، ويعثر على بعض حبّات من المعدن الثمين المتبقّي فيها.
كان ذلك من المشاهد التي تتكرّر بشكل يومي في ذلك الموقع الذي حصل التاجر دومينيك نجاليا على امتياز استغلاله مقابل 36 ألف فرنك أفريقي (ما يعادل 74.96 دولارا) يدفعها سنويا لوزارة المناجم بأفريقيا الوسطى.
«نجاليا» المعروف أكثر في تلك المنطقة باسم «لوسيفر»، يدفع لكل واحد من هؤلاء العمال نحو 17 ألف فرنك أفريقي (نحو 35.39 دولارا) عن كل جرام من الذهب، وفقا لسعره في السوق.
غير أنّه يواجه منذ وقت غير بعيد مشكلة تتعلّق باضطراب قنوات هذه التجارة، بسبب إغلاق مكاتب تجميع الذهب المملوكة في معظمها من قبل المسلمين.
فمع رحيل هؤلاء، لحق المجال كثيرا من الفوضى.
في بلدة جاجا، يشكّل كلّ وجه أجنبي زبونا محتملا للمعدن الثمين، وسرعان ما يتحوّل لموضع نزاع وخلاف بين أجنحة ميلشيات أنتي بالاكا في محاولة للانفراد بحق مرافقة ذلك الغريب الأجنبي، على أمل الحصول على بعض فتات الصفقة المفترضة.
أما لدى أصحاب الموتو- تاكسي، فإنّ ثمن نقل زبون مماثل لحظيرة الذهب يأخذ منحى صاروخيا بمجرّد الإعلان عن الوجهة المنشودة.
ويقول «دومينيك نجاليا» متحدّثا عن حيثيات حصوله على لقب «لوسيفر»، والذي يعني في التقاليد المسيحية «الملائكة الساقطة من السماء بسبب تحدّيها الله»، كان علي الاختباء في الأدغال هربا من بطش سيليكا.
كنت في عداد الأموات، لكن كان علي البقاء هناك لأني كنت أكثر الرجال المطلوبين من قبل السيليكا وأكثرهم تعرضا للنهب من قبل عناصرها.
وأضاف «عناصر سيليكا لا يعملون في الحظيرة، ومع ذلك يريدون مراقبة المبيعات، وهذا ما جعل عمّال المناجم يعملون تحت التهديد لمدة أشهر بأكملها».
ورغم رحيل سيليكا، إلاّ أنّ التوتّر المرتبط بالذهب لا تزال ملامحه بادية على الوضع العام بـ «جاجا».
أحد ضباط ميلشيات أنتي بالاكا المسيحية أمر بإقامة نقطة مراقبة على الطرق الجانبية الرابطة بين البلدة و»يالوك».
ويصل الأمر في بعض الأحيان بمسؤولين بهيئة الميلشيا المسيحية لإزالة حاجز أقامته عناصر أخرى منتمية لحركتهم.
ففي أعماقهم، كان الجميع يخشى خسارة العشر من قيمة الصفقة المحتملة.
ففي «جاجا»، الكل يقتات من الذهب بشكل أو بآخر، والكلّ أيضا مهدّد بالموت في كلّ لحظة.
ذهب جاجا سبب آخر للعنف في أفريقيا الوسطى
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
