تسقط أمم، وترتفع أمم، فالدنيا دول، ويمضي الزمن ماسحا الآثار والذكر لبعضها، ومخلدا آثار وذكر البعض الآخر بقدر نفعها، وخير أثرها الذي خلفته وراءها (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)، وخلف هذه الأمم والحضارات الباسقة لمعت أسماء لقادة تفاوتوا في أشكالهم ورسالاتهم وغاياتهم، ولكنهم تشاركوا في أنهم تركوا خلفهم أثرا للبشرية يتحاكون به أمد الدهر.
وجاء العصر الحديث، فتعالينا مع العمران، وانسقنا في التقليد والاستعراض.
تأثرنا بكل صرعات وتقليعات العالم في التعامل والتواصل والتحضر، مصدقين أن القسوة والشدة تكسبان الاحترام، وأن إظهار المشاعر والتعاطف ضعف وسذاجة، ويفقد الهيبة والاحترام.
للأسف انجرفنا خلفهم ونسينا قدوتنا، أعظم قائد ومصلح سيدنا محمد المختار صلى الله عليه وسلم، وسماحة تعاملاته، وشفافيته.
نسينا دموعه التي كانت تنسكب مدرارا حزنا لمصاب أو تعاطفا مع محتاج.
نسينا اعتذار الفاروق وهو المعروف بشدته وصرامته في العدل والتنظيم، حين اعترف بخطئه وقال (أصابت امرأة وأخطأ عمر)، ودموعه التي بلت لحيته حين كان يشعر بالندم أو التقصير.
فما زادهم إظهارهم لإنسانيتهم إلا حبا وولاء ممن حولهم، واحتراما وإجلالا ممن خالفهم.
بكى الناس فأجهشوا بالبكاء، وحزنوا حتى ذابت قلوبهم حزنا وكمدا، وراحت عبارات الرثاء وتعابير الأسى تتداولها صفحات المواقع الاجتماعية ورسائل الجوالات كالسيل الجارف، ولاء وعرفانا لملك أرانا دموعه قبل قوته، وعطفه قبل شدته، فتراءى لشعبه إنسانا رحيما، يعبر عن حبه لهم، وعن رغبته في إسعادهم.
رأينا قلبه في عينيه، وسمعنا صدق حبه في كلماته البسيطة التي ساقها بدون خطابات أو منابر.
فكسب حب شعبه وولاءه بدون قيد أو شرط.
وتعالت الأكف بالدعاء له من البسطاء الذين لم يحيطوا بإنجازاته، كما من النخبة التي أحاطت بها.
وذلك لأننا قبل أن نرى الملك والقائد، شعرنا بالإنسان.
فرحمة الله عليك أيها الملك الإنسان.
حين بكى عبدالله
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
