أن نملأ الدنيا ضجيجا حتى نضجر من أنفسنا ويضجر منا من يضجر، ونتخاصم ونناقش ونختلف حتى تبلغ خلافاتنا عنان السماء، ونبقى على ذلك متخاصمين إلى ما لا نهاية، خير من أن نرفع السلاح بعضنا بوجوه بعض، ونزهق أنفسنا بأيدينا، من أجل تحقيق هدف سياسي أو حزبي ضيق. الاحتكام إلى السلاح يعني الموت والدمار والعودة إلى عصر الظلام والهمجية، وقد مررنا نحن العراقيين بهذه التجربة المريرة وسالت أنهار من الدماء في سبيل لا شيء، ولم نجن من ورائها غير الحسرة والندم. وما نراه اليوم من حروب ومعارك وإرهاب في العراق ليس بجديد، فتاريخه القديم والحديث مليء بالفتن والمحن.. حركات إرهابية خارجة عن القانون والدين، من حركة الزنوج في البصرة، إلى حركات الخوارج والمعتزلة والقدرية والجهمية.. وعلى أرضه قتل علي بن أبي طالب وابنه الحسين بن علي بأبشع طريقة، ووجد فيه حكام عرفوا بالبطش والقمع، مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، صاحب عبارة «إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها»، وعبدالكريم قاسم، صاحب أول انقلاب دموي أباد العائلة المالكة عن بكرة أبيها بطريقة السحل، وكذلك صدام حسين، صاحب عملية الأنفال العسكرية التي دفن فيها 182 ألف عراقي كردي وهم أحياء، وأباد مدينة كاملة (حلبجة) بالقنابل الكيمياوية دون أن يرف له جفن، والعراق أيضا بلد نوري المالكي الطائفي الذي تراجع دور العراق في ظل حكمه وأصبح من أفسد دول العالم.

وقد صدق المفكر الجزائري عندما قال: لقد ظلموا بغداد لما سموها دارالسلام، فلا سلام فيها.

لم يكن الانفصال عن قمع وجبروت بغداد سهلا أبدا للأكراد الذين لهم تجارب مريرة معها لعقود من الزمن، ولولا الهجرة المليونية التي قاموا بها إلى إيران وتركيا عام 1991 خوفا من بطش القوات العراقية بعد هزيمتها المنكرة في الكويت على يد المجتمع الدولي، وتسليط الأضواء عليها من قبل الوسائل الإعلامية العالمية، لظلت كردستان تحت رحمة السلطة العراقية الغاشمة إلى الآن، وبصدور القرار الدولي القاضي بانسحاب الحكومة المركزية من الشمال، وجد الأكراد أنفسهم فجأة أمام تحد كبير، إما أن يملؤوا الفراغ الإداري والسياسي الذي تركته بغداد ويشكلوا حكومة لإدارة المجتمع، أو يستسلموا للفوضى والتسيب السياسي، فركنوا إلى الخيار الأول وشكلوا حكومة وبرلمانا كرديا عبر انتخابات حرة، ونجحوا في التجربة وبنوا مجتمعا نموذجيا قياسا بالمجتمعات العراقية الأخرى، يستقطب الإعجاب، ويجذب إليه الاستثمار العالمي، ويحتضن المعارضين والهاربين من جحيم الحرب الطائفية المستعرة في العراق. أهم إنجاز حققه الأكراد على الإطلاق هو تحقيق الاستقرار والأمن، وتحويل منطقتهم إلى ملاذ آمن للخائفين العراقيين بشكل عام من بطش الميليشيات الطائفية.. فلا شيء أروع من شعور المرء بأنه آمن على روحه وماله وأبنائه.. كثيرا ما كنت أنتقد السلطة القائمة في الإقليم بأنها ارتكبت خطأ استراتيجيا عندما سمحت لنائب رئيس الجمهورية المتهم بالإرهاب «طارق الهاشمي» وغيره من أقطاب السنة باللجوء إلى كردستان، لأنهم جلبوا لها مشاكل سياسية كانت في غنى عنها، ولكن كنت خاطئا، فالدولة المحترمة أوالإقليم المحترم لا يمكن أن يفرط بحق من حقوق الإنسان الذي هو أسمى شيء في الوجود، بغض النظر عن جنسه أو طائفته أو عرقه، مهما كان الثمن الذي يدفعه.

مجتمع ناهض بهذا الشكل لابد أن يكثر أعداؤه ويتعرض للمؤامرات والدسائس من أقطاب الشر، فقد تآمرت عليه الحكومات الشيعية المتعاقبة (حكومة إبراهيم الجعفري (2005) وحكومتا نوري المالكي (2006 و2010 ) ولم تتوقف المؤامرات لحد الآن.

شتان بين مجتمع ينشر المحبة والسلام للعراقيين ويحتضنهم ويؤمنهم من الخوف، وبين مجتمع ينتشر فيه القتل والخطف..لا تدري من أين يأتيك الموت وأنت تتجول في بغداد، ومتى تنفجر القنابل بوجهك، وإن لم تمت بالأحزمة الناسفة أو المفخخات، فإنك لا محالة مقتول على يد الميليشيات الطائفية بسبب هويتك، أو مخطوف من أجل حفنة من المال.

لابد أن تكون في العراق عدة مناطق آمنة يستريح فيها العراقيون من عناء الحروب المتواصلة على غرار المنطقة الكردية، تشكلها الحكومة المركزية، وتحرص عليها وتمدها بأسباب النجاح، لا أن تقف بوجهها وتحاربها بحجة الانفصال والتقسيم كما فعلت مع المحافظات السنية التي طالبت بإنشاء إقليم.

على الحكومة الجديدة الخالية من حزب الدعوة و»المالكي» أن تعتمد لغة الحوار الحقيقي والمفاوضات البناءة للوصول إلى واقع خال من السلاح والقتل، تحرص على السلام والمحبة، وتترك لغة البطش بالآمنين، فكل ما نختلف حوله يحل بالحوار والنقاش الهادئ، وخير لنا أن نتحاور ونتناقش لسنوات من أن نحمل السلاح بعضنا بوجوه بعض، ونهدم ما بنيناه بلحظة.