كان شعاع الشمس الأول لا يزال يدق باب يوم جديد عندما نهض خالد من فراشه متثاقلاً وتوجه كعادته لحرث (المزرعة السعيدة) المتعطشة لقطرة ماء، ولم يمض وقت طويل حتى بدأ بإرسال التهاني لأصدقائه (بالفيس بوك) بمناسبة عيد ميلاد أحدهم وترقية آخر، ثم أنهى يومه الحافل يتبادل الآراء في أروقة (تويتر) حول الأحداث الجارية في قريته الصغيرة وحول العالم.

في هذا العام فقط دخل ما يقرب من ثلاثة مليارات شخص إلى شبكة الإنترنت، كان أكثرهم من الصين ثم الولايات المتحدة ثم الهند، أما بالنسبة للدول العربية والتي تتزايد أعداد مستخدمي الإنترنت بها بسرعة فائقة فتتصدر مصر القائمة تليها السعودية، لكن رواد تويتر في السعودية يعدون الأكثر نشاطاً على مستوى العالم بنسبة تتجاوز الأربعين بالمئة.

فيس بوك، تويتر، واتساب، عالم آخر وحياة أخرى وشخصية أخرى عادة ما تكون مثالية، قد لا تتعدى مساحة هذا العالم رقعة هاتفنا الذكي، لكنه يهدر أوقاتنا ويستهلك عواطفنا. وإذا كان الدخول لهذا العالم يسيراً، إلا أن الخروج منه في غاية الصعوبة، فقد بينت إحدى الدراسات أن معدل الدخول إلى المواقع الاجتماعية أربع عشرة مرة خلال اليوم الواحد.

هل كان أول ما فعلته اليوم التأكد أن شيئاً لم يفتك من رسائل مجموعة الجيران في الواتساب، أو عدد اللايكات لنكتتك في فيس بوك أوعدد الريتويتات لما كتبته عن أثر الابتسامة على من حولك، علماً بأنك لم تبتسم يوماً؟ إذا كان جوابك نعم فأنت ممن يُطلق عليهم مدمنو الإنترنت.

إدمان الإنترنت يبدأ بقضاء وقت طويل على الشبكة والتحدث عن أحداثها في الأوقات الأخرى، وينتهي بالتأثير على الحياة الأسرية والتقصير في العمل كالتأخر على الدوام والانشغال أثناءه، وعادة ما يصيب المدمن اكتئاب شديد في حالة عدم القدرة على الدخول إلى الشبكة.

نعود إلى خالد الذي احتفل أمس بوصول عدد أصدقائه في فيس بوك ألفين وأربعمئة صديق، لكنه لا يزال وحيداً على أرض الواقع، وكلما أحس بشيء من ملل شمر عن ساعديه وبدأ في حرث (المزرعة السعيدة).

aalmansari@