منذ أقل من ثلاثة أسابيع، وقف عضو معارض في البرلمان التركي للمطالبة بتحقيق برلماني في إجراءات السلامة في منجم فحم في دائرته الانتخابية. يومها قال أوزجور أوزيل «لقد سئمنا من حضور مراسم الدفن لعمال المناجم»، مضيفا أنه تلقى شكاوى كثيرة حول ظروف الأمن والسلامة في المنجم. لكن أحد أعضاء البرلمان الذين ينتمون إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم أجاب أن ذلك هراء، وأن مناجم البلد أكثر أمانا من أي مكان آخر في العالم. بكلمات يجب أن تعود لتطارد رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان، أضاف البرلماني عن حزب العدالة والتنمية «إن شاء الله» لن يحدث شيء في المنجم، «ولا حتى نزيف من الأنف».
ما حدث في منجم سوما في الأسبوع الماضي لا يمكن وصفه بـ»نزيف من الأنف». نحو 300 عامل منجم ماتوا بعد انفجار تحت الأرض، مما أدى إلى مشاهد جهنمية فيما بدأ إخراج جثث سوداء بسبب السخام من حفرة المنجم. زيارة إردوغان إلى سوما زادت الأمور سوءا عندما اشتبك بعض عناصر حاشيته مع المحتجين الذين أحاطوا بسيارته ووجهوا إليها ركلاتهم. ونشر فيما بعد فيديو غير احترافي يبدو فيه السيد إردوغان نفسه وهو يلكم شخصا، فيما التقطت صور لأحد مساعديه وهو يركل أحد المحتجين رغم أنه كان في قبضة القوات الخاصة.
الوفيات الكثيرة التي حدثت في الأسبوع الماضي هي مأساة حقيقية، حتى بالنسبة لبلد له أسوأ سجل مناجم في أوروبا. لكنها تطورات جديدة أيضا في الأزمة السياسية الطويلة في تركيا، والتي شهدت نجاة حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالرغم من مرور سنة كانت السلطات التركية ترد خلالها بوحشية على المحتجين. استخدام الغازات المسيلة للدموع ومدافع الماء على المحتجين في إسطنبول وأنقرة وأزمير لم يؤثر على شعبية إردوغان في الانتخابات الأخيرة. لكن رده القاسي على الوفيات في سوما يكشف ما قد يكون ضعفا قاتلا في منبر حزبه.
حزب العدالة والتنمية يفوز في الانتخابات بوعود تجمع بين القيم الدينية المحافظة والنمو الاقتصادي السريع. معظم الأتراك يبدو أنهم يتقبلون تهجم رئيس الوزراء على وسائل الإعلام التقليدية، أما تهديداته لوسائل الإعلام الاجتماعي فهي شيء آخر. في وقت مبكر من هذا العام، اتهم إردوغان خصومه بتزوير اتصال هاتفي تم نشره على يوتيوب كان يتحدث فيه إلى نجله حول تحويل مبالغ مالية كبيرة لتجنب تحقيق في الفساد. إردوغان ادعى أن الشريط مفبرك وهدد بإغلاق يوتيوب وفيس بوك. ومع أن الرئيس التركي عبدالله جول وبخه إلا أنه مضى قدماً في منع يوتيوب وتويتر. لكن المحكمة أمرت برفع المنع عن الموقعين مما عرض رئيس الوزراء إلى سخرية واسعة.
لكن كارثة المنجم في سوا مختلفة هذه المرة، خاصة وأنها حدثت في منطقة يتمتع فيها الحزب الحاكم بتأييد قوي. ومن ناحية ثانية، يمثل الاعتماد على الفحم المحلي والمستورد عاملاً هاماً في النجاح الاقتصادي التركي. متطلبات الطاقة في تركيا يتوقع أن تتضاعف على مدى العقد القادم، وخلال السنوات الخمس الماضية زاد اعتماد البلد بشكل كبير على محطات الطاقة التي تعتمد على الفحم. وكانت شركة سوما القابضة، وهي إحدى أكبر شركات الفحم في تركيا، قد اشترت منجم سوما من الدولة. منذ عامين، تفاخر صاحب الشركة في مقابلة صحفية أنه استطاع أن يخفض تكلفة استخراج الفحم من 130-140 دولار إلى اقل من 24 دولارا للطن بفضل «أساليب عمل القطاع الخاص.» الناجون من كارثة الأسبوع الماضي يقولون إن «أساليب العمل» تلك تشمل تخفيض الإنفاق على إجراءات الأمن والسلامة.
هذا يضع شكلاً آخر لمحاولات السيد إردوغان التقليل من أهمية مأساة منجم سوما. حزب العدالة والتنمية يدير البلد منذ عام 2002 وتوجهه لإنتاج المزيد من الفحم صاحبته عدة أحداث كارثية في المناجم. حتى قبل الكارثة الأخيرة، كان 1308 أتراك عمال في مناجم الفحم قد قتلوا منذ عام 2000؛ وتعرض 13.000 إلى حوادث في العام الماضي فقط، وبلغت نسبة إصابات العمل أكثر من 10% في مناجم الفحم.
يعتقد حزب العدالة والتنمية أنه يستطيع أن ينجو من هجمات صارخة على الطلاب والصحفيين والمفكرين ونشطاء البيئة. السيد إردوغان يبدو أنه لا يبالي أيضا بنتائج أسلوب البلطجة الذي يتبعه على علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي. ولكنه يحتاج بالتأكيد لأصوات الطبقة العاملة في تركيا. حياة 300 عامل منجم قد تبدو لأنصاره ثمناً مرتفعاً لدفعه من أجل التوسع الاقتصادي التركي.

