وقبل أن أجد نفسي صريع استفهامات متضخمة لا تبحث عن إجابة بقدر ما تلوك مثاليات وتمتلك الإجابات الفصل في كل قول، وقبل أن أُجيب على سؤال: لماذا الأكاديميون بالذات سأعرض نموذج من بعض أقوال الأكاديميين في هذا الشأن.
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى وعضو رابطة علماء المسلمين (يغرّد) قائلا: (تعيين الرافضة بمناصب قيادية وحساسة خيانة للدين والوطن، فهم أحقد على المسلمين من اليهود والنصارى).
ويقول زميله الأكاديمي المتخصص في العقائد والملل والنحل والمذاهب المعاصرة في كلية التربية بجامعة الملك سعود: (إيران تقوم بتجنيد آلاف من الأفغان الشيعة للقتال في سوريا مقابل 500 دولار شهرياً... وفي الدول الإسلامية من يذهب يا ويله ويا سواد ليله).

أما أستاذ الهندسة بجامعة الملك سعود فاستهوته موضة مصطلح (حزّ الرقاب) فغرّد: (رحم الله الملك فيصل! أعتقد أن ذلك الملك لو كان حيّاً لحزّ رقبة -ذكر اسم كاتبين- عند الصفاة قرب الجامع الكبير بالرياض).

هذه المقولات لم تكن همساً في صالات مغلقة مع المريدين، أو في قاعة الجامعة مع الطلاب، بل بفضاء تويتر الرحب، والخطورة ليست بطريقة التعبير عن هذا الخطاب بهذه الجرأة والوضوح والمجاهرة، بل مكمن الخطورة الحقيقي أنها تصدر من أكاديمي يدرّس (بصفة رسمية) مئات الطلاب -إن لم يكن الآلاف- سنوياً. اللافت أن أيّا ممن ذكرنا أعلاه لم يكتب (تعريفه بتويتر) بالجملة المخاتلة (هُنا أمثل نفسي فقط)، إنما تحمل الجملة صفتهم الأكاديمية، بمعنى أن تغريداتهم (تغريراتهم) هي جزء من رسالتهم التي يؤمنون بها، هذا إذا حاولنا أن نتسامح كثيراً ونقول إنهم في قاعة المحاضرات -بالضرورة- يلتزمون بالمنهج، وإن كنت أربأ بهم عن التناقض حيث يعيشون في حرم جامعاتهم دعاة للتسامح والوسطية، وفي خارج الجامعة مؤججين لمشاعر الكراهية، فالأكاديمي ليس مجرّد شخص مقتنع بفكر ما، إنما لديه الفرصة لتسويق هذا الفكر وتبريره لجيل قادم، وبالتأكيد ما دمنا نزرع فكر الكراهية فسنحصد الندامة والحسرة، وعندما يأتي وقت الحصاد ونحاول متأخرين -كعادتنا- أن نواجه هذا الفكر فلن نجد ما يسترنا من ذلك الجيل الذي سيستغرب غضبنا، ويسألنا: أليس هذا الفكر كان يدّرس لنا في الجامعة على مرأى ومسمع منكم جمعيا؟ ما الذي جعلكم الآن تثورون ضده؟

وبالطبع سنبحث كالعادة عن مشجب جديد نعلّق عليه تراخينا وترددنا، والأهم أن (عذر) المنهج الخفي لن يكون مقبولا!

لو عدنا للتغريدات التي أوردنا في بداية المقالة لوجدناها تتمترس خلف الصبغة الدينية، وترتهن للمقولات التي أصبحت -بحكم كثرة ترديدها- مسلّمة على الأقل لرجل الشارع البسيط، كمقولة (الشيعة أحقد على المسلمين من اليهود!) التي (قد) أجد لها مبرراً من العوام، لكن لا يمكن -بل يستحيل- أن تقبلها هكذا من أكاديمي يعرف المنهج جيداً، ويكتفي بترديد مقولات تندرج تحت رأي مبني على مقولات مترسبة في الذهن الجمعي دون تمحيصها ودراستها، ثم تمريرها وكأنها (معلومة) لا تقبل الجدل!

ولو ناقشنا كل تغريدة من هذه التغريدات الثلاث على حدة لاحتجنا دراسات مطولة، فمن التحريض بلغة مواربة لدفع الشباب للذهاب إلى مواقع الاقتتال تحت مسمّى الجهاد، إلى تكفير المخالف بالمطلق، بل والذهاب لما هو أبعد من التكفير بوصفة أشد عداوة من اليهود!، وإن كانت المذهبية ليس كافية لتبرير كفر الآخر فيمكن الإيحاء (للزندقة) -كما فعل أستاذ الهندسة- الذي أوحى بأن كل ما يلزم لحزّ رؤوس مخالفيه هو ملك عادل!

وهذه اللغة مع من يختلف معك بررها الشيخ سليمان الدويش عندما سأله المذيع عبدالله المديفر (على الهواء مباشرة) عن سبب حدّته مع مخالفيه التي تصل أحياناً إلى كلمات نابية باعتبارها من الغلظة التي أمر الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير).

[email protected]