فضيلة تحسب لهيئة السياحة والآثار؛ الاعتراف بأن (غيابنا في الماضي عن هذا النشاط يشكل فجوة في المعرفة التاريخية والحضارية للجزيرة العربية، وعلاقتها بما حولها وما يحيط بها من مناطق الحضارات..)، وفق ما جاء على لسان الدكتور علي غبان نائب رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار في هذه الصحيفة الأسبوع الماضي. ولا شك أن الاعتراف الموضوعي والصريح بـ(الغياب)، له ما يبرره من دواعٍ وأسباب غير موضوعية أو علمية، رانت مفاعيلها زمناً طويلاً على موروث حضاري ومعرفي تشكله الآثار في بلادنا. وقد والى الدكتور الغبان الاعتراف بالحديث عن فرق العمل الآثاري التي تعمل في بعض مناطق المملكة وتتعاون مع بعثات دولية مشتركة تعمل في المسح والتنقيب الآثاري، وذلك اتجاه إيجابي ومحمود، لا يعيقه تأخره وغيابه الطويل عن تحقيق الأهداف المتوخاة منه، أو كما هو المأمول والمرتجى من مشروع كهذا، وقد أتداخل مع ذلك من جانبين:

أولهما: عدم معرفتنا بالإستراتيجية التي تعمل الهيئة وفقاً لها، وتخطط لمشاريعها وأنشطتها، وتنظم برامجها، والمسافة المكانية التي تغطيها، والرؤية العلمية التي تؤطر ذلك كله وتوجهه، مما يحق للباحث المتخصص بهذا المجال أن يعرفه، فضلاً عن المواطن العادي الذي من حقه معرفة الملامح العامة لتلك الإستراتيجية الوطنية.

وثانيهما: ما يتقاطع مع اتجاه الهيئة الذي صدرنا به هذه المقالة، وهو حال ومآل الآثار الحية الموجودة والقائمة الآن.. التي يتهدد بعضها الهدم والتشويه والفناء، ولاسيما في المدينة المنورة، تلك الآثار التي رصدتها وسجلتها وحددت مواقعها المدونات العلمية للمؤرخين القدماء والمحدثين، ولا نعلم ما مصيرها، وما بقي منها وما أُبيد، وهي تتآكل يوماً بعد يوم بفعل تعديات تستند إلى مشروعية إدارية محضة- وليست علمية أو موضوعية، ولعل ما بات يحيط يتلك الآثار منذ عقد من الزمن لا أكثر يشكل مثالاً سافراً لذلك، وتماثله نماذج أخرى.

والهيئة وجهازها العلمي والإداري التنفيذي من الوعي بمكان، بأن المحافظة على ما تبقى من آثار المدينة المنورة أو غيرها من مدن، لا تتحقق فقط بتسويرها أو تقفيصها بالأسلاك المعدنية، ولكن بتسهيل الوصول إليها، وشرعنة زيارتها تنظيمياً، بعد أن كفلت الشريعة الدينية المطهرة إباحة ذلك، فيما لا يتعارض مع قواعد الشرع الحنيف، وثوابته المقررة.

وكذلك تنمية المعرفة بها واستثمارها علمياً وعمرانياً وسياحياً، وسن الأنظمة الجادة والصارمة التي تصونها من العبث، وتكفل لها الحياة بالتناغم مع التنمية وخطط العمران الحديث، وتحفظ للهيئة كينونتها الاعتبارية ومهامها الاختصاصية بالآثار، التي هي تقاسم السياحة كيان الهيئة المؤسسي والإداري.

كما أن مشروع الهيئة الجاد في هذا الاتجاه، بحاجة إلى تأصيل الوعي الجماهيري بالقيمة الثقافية للآثار بوصفها ثروة وطنية ومنجزاً إنسانياً كونته المعرفة البشرية ونشاط وكفاح الإنسان عبر التاريخ. وعي كهذا غيبته زمناً طويلاً أفكار سقيمة ومواقف نمطية ضحلة، اجترأت وجرَّأت الناس على تسفيه الاهتمام بالآثار، وتجاوزت إلى الدعوة إلى إبادتها وطمسها، ولم تسلم من تلك الخطيئة الكبرى والمجحفة بحق المعرفة والثقافة والإنسان؛ مؤسسات رسمية أسهمت بذلك مع الأسف. وأظن الهيئة تملك من الإرادة والأدوات ما ينهض بمشروع توعوي كهذا يوازي مشروعها الفتي ويدفع باتجاه مؤازرته والتناغم مع أهدافه العظيمة. لأن تأسيس تصور جديد وعلمي حول قيمة الآثار معرفياً، يعني إنتاج وعي سليم وناهض. واختيار ما يعير عن ذلك الوعي من مظاهر وأدوات، يكفل إزاحة الأفكار الظلامية القديمة وإحلال فكر متنور مكانها، ويتماس بالوعي الفطري النقي في أذهان الجمهور حول هذه الضرورة، وينمي ويؤكد ما وقر بداهة في الذهن الجمعي من ارتباط بالآثار واحترام لها، ومكانتها في وجدان الإنسان الذي أبصرها وألِفها، وتعايش معها، وهو يدرك أهميتها؛ ما تعبر عنه جهود أفراد من المواطنين، اختاروا مسار جمع الموروث التقليدي لأنماط الحياة التقليدية القديمة في مناطقهم وأنشؤوا متاحف خاصة تحوي ذلك وتحافظ عليه. مما يعني أن الموقف السلبي من الآثار -وهي من أهم مظاهر ذلك الموروث- طارئ ودخيل وكان نتيجة قصور فكر وضيق أفق، وضحالة تصور لقيمة مثل ذلك العنصر المعرفي العظيم.

[email protected]