يقول المثل الشعبي (إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه)، وما أكثر السكاكين التي شحذت وتشحذ اليوم لتقطيع الصحوة في السعودية وتاريخها وفكرها ورمزها، فنحن نشهد ظاهرة (الهجوم على الصحوة) حيث أصبحت الشماعة التي تعلق عليها كل إخفاقات المجتمع، وعيوبه، وتخلفه، وأظن لو ترجمت مقالات وتنظيرات هذه الظاهرة إلى لغة أخرى وقرأها من لا يعرف المجتمع السعودي فسيخرج بنتيجتين؛ الأولى: أن الصحوة حزب سياسي مستبد استلم السلطة لمدة طويلة من الزمن، وفرض رؤيته الشمولية في الإعلام، والتعليم، والثقافة، وصاغ عادات المجتمع، وأدبياته، ورؤاه وفق قوانين سلطوية ملزمة، والأمر الثاني: أن المجتمع السعودي قبل تولي حزب الصحوة للسلطة كان مجتمعًا متقدمًا ثقافيا؛ يزخر بالتعددية الثقافية، والطرح الفكري التعددي العميق، القائم على الحوار والتسامح وقبول الآخر، ويتمتع بخطاب ديني متفتح ومتسامح، ولديه إنتاج فني وسينمائي غزير، وفي كل مدينة العشرات من المسارح، والمتاحف، ومعارض الكتب، ودور النشر تطرح الآلاف من الكتب سنويًّا، ثم جاء حزب (الصحوة) بسلطته وقضى على كل هذا، وفرض خياره الفكري بقوة السلطة الملزمة.
ليست هذه دعوة لتبرئة (الصحوة) وفكرها ورموزها من كل عيب، أو دعوة لترك نقدها، بل هي دعوة للنقد العلمي المتزن القائم على حقائق الواقع، وأدبيات النقد العلمي، فهل ما يروَّج عن دور الصحوة في القضاء على التسامح في مجتمعنا صحيح؟
لا ريب أن (الصحوة) ظاهرة اجتماعية وفكرية أحدثت تأثيرًا عميقًا في بنية المجتمع الفكرية، وصنعت عقلا جمعيًّا لدى قطاع عريض من أبناء المجتمع، والكلام في تأثيرها وأسباب التأثير، والعوامل التي أدت لهذا، وتاريخها، وتحولاتها، وتشكل خطابها، والإيجابيات التي أحدثتها الصحوة، والسلبيات التي رسختها أو أحدثتها الصحوة كلام طويل لا يتسع المجال للحديث فيه، ولهذا فسأقصر كلامي في الجزئية التي أشرت إليها في السؤال؛ فثمة نغمةٌ تُرددُ كثيرًا وهي أن (الطرح الديني) المتشدد للصحوة قضى على التسامح الديني الموجود قبل صعود تيار الصحوة وفكرها؛ إذ أسهم خطابها الفقهي المتشدد في نشر ذهنية التحريم تجاه كل جديد، وهذا ما أحدث جمودًا فكريًّا مازلنا نعاني منه اليوم، هذه الفكرة تردد كثيرًا اليوم، وتلقى رواجًا كبيرًا لدى نقاد الصحوة، والحق أن هذا النقد يُنبئ عن أمرين؛ الأمر الأول: قصور التتبع التاريخي لتاريخ الأفكار في مجتمعنا السعودي، والأمر الثاني: الجهل الفاضح بتحديد الإضافة الحقيقية السلبية والإيجابية التي أضافتها الصحوة للخطاب الديني المحلي، فأما قصور التتبع التاريخي فإن الخطاب الديني للصحوة هو في الحقيقة امتداد أمين للخطاب الديني قبل الصحوة؛ فالخطاب العقدي تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى هو نفسه في الفترتين، والخطاب الفقهي بآلياته ومسائله التي تعالج قضايا المرأة، والفن، والعادات والتقاليد، والاقتصاد، والشعائر الدينية، والمسائل الشخصية من مظهر وملبس هو نفسه في الفترتين، ومن يقرأ فتاوى الخطاب الديني، وكتبه ورسائل رموزه في المسائل العقدية والفقهية قبل الصحوة فسيجد مصداق هذا.
وأما الإضافة الحقيقية السلبية والإيجابية التي أضافتها الصحوة للخطاب الديني المحلي فإن خطاب الصحوة أحدث تأثيرًا إيجابيا في مسائل الرياضة، والرؤية لمفهوم الفن، وقضايا زينة المرأة ولباسها؛ إذ إن الرياضة بفنونها الكروية تحديدًا قبل خطاب الصحوة كانت المحرمات، لكن خطاب الصحوة نقلها إلى خانة المباحات، ولهذا انتشرت الرياضة بفنونها الكروية في تجمعات شباب الصحوة، ومثل ذلك الرؤية لمفهوم الفن؛ فقد تزحزح من حيز التحريم الصارم إلى حيز الإباحة بشروط، إذ انتشرت التمثيليات المسرحية في المراكز الصيفية التي كان يقوم عليها الصحويون، وكان للخطاب الديني قبل الصحوة موقف متشدد من قضايا زينة المرأة توارى هذا الخطاب بعد الصحوة. وأما الإضافات السلبية لخطاب الصحوة فمنها تشدده في قضايا العادات والتقاليد في التعامل المجتمعي مع المرأة في محيط الأسرة والأقارب؛ إذ كان الوضع قبل الصحوة أكثر تسامحًا في اختلاط النساء بالرجال من أبناء الأقارب مع احتفاظ المرأة بحجابها، وقد أسهم خطاب الصحوة بالفصل التام والجذري بينهما في المحيط العائلي. وهنا يبرز سؤال مهم وهو: إذا كان خطاب الصحوة -في مجمله- هو امتداد أمين للخطاب الديني قبلها فبم يُفسَّرُ اصطباغُ الثقافة السعودية اليومَ بالصبغة الدينية التي هي نتيجة خطاب الصحوة؟ الحق أن الأمر يتعلق بالانتشار؛ فالخطاب الديني قبل الصحوة كان محصورًا بطبقة صغيرة من المجتمع، والمساهمة الكبيرة للصحوة هي نجاحها في توسيع دائرة تأثير الخطاب بالوصول إلى غالبية طبقات المجتمع، رجالًا ونساءً وشبابًا، فتحول المجتمع بجميع طبقاته إلى مُتلقٍ أمين للخطاب، وهذا ما أسهم في تكوين عقل جمعي من إنتاج خطاب الصحوة، هذه كل الحكاية.

