سكان سوريا الذين يبلغ عددهم نحو 23 مليون شخص ليس لديهم الكثير ليكسبوه من المحادثات التي يفترض أن تبدأ اليوم (الأربعاء 22 يناير) في سويسرا. ما لم يوافق الرئيس السوري بشار الأسد على السماح لعمال المساعدات الغذائية الدولية بالدخول دون أي عوائق إلى كافة الأراضي السورية، لن تكون هناك قاعدة للحوار والمصالحة. ومع ذلك لا تبدي كل من روسيا أو إيران أي مؤشر على وضع أي نوع من الضغوط التي يمكن أن تُقنع الرئيس الأسد بالموافقة على مثل هذه الهدنة.
الصراع في سوريا يشكل كارثة إنسانية. نظام بشار الأسد يتصرف وكأن اتفاقية الأسلحة النووية، التي تمت برعاية الولايات المتحدة وروسيا في سبتمبر الماضي، كانت بمثابة تصريح للقيام بارتكاب الفظائع التي لا تُستخدم فيها أسلحة نووية. النظام يقصف المراكز السكنية التي يعتقد أن مقاتلين من المتمردين قد يكونون موجودين فيها. ملايين السوريين أُجبروا على مغادرة بيوتهم بسبب خوفهم القصف الذي تتعرض له مناطقهم. عشرات الآلاف من السوريين قُتلوا. دول جوار سوريا مكتظة بأعداد ضخمة من اللاجئين السوريين. روسيا وإيران تستطيعان إجبار حليفتهما سوريا لوقف ارتكاب مثل هذه الجرائم ضد الإنسان. لكنهما لم تفعلا ذلك.
هذا التصرف المقيت هو الخلفية التي تنعقد في إطارها جولة جديدة من المحادثات تهدف لإطلاق العملية الانتقالية السياسية في سوريا. الوجهة المرتقبة هي تلك التي تم وضعها في اتفاق جنيف الأول، والتي كانت نتيجة محادثات بين دول مجلس الأمن الخمس دائمة العضوية في شهر يونيو 2012. ذلك الاتفاق دعا إلى تحويل سوريا إلى دولة ديمقراطية وتعددية، تتوافق مع المقاييس العالمية حول حقوق الإنسان، وتقدم فرصا متساوية لمواطنيها.
إحدى إيجابيات هذه الرؤيا أنها تلغي الإسلام المتطرف كبديل. نظام بشار الأسد، في نهاية المطاف، ليس السرطان الوحيد الذي يقتل سوريا. عناصر تنظيم القاعدة الذين اصطحبتهم استخبارات النظام السوري في يوم من الأيام إلى العراق لقتل الشيعة والأمريكيين عادوا إلى سوريا الآن لشن حرب إسلامية جهادية ضد الطائفة العلوية الحاكمة. في شرق سوريا يسعون لفرض شكل الحكم الخاص بهم، والذي يشبه النظام في جهله ووحشيته.
اتفاقية جنيف الأولى دعت إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية تمتلك كامل السلطات التنفيذية. أعضاء الهيئة يتم الاتفاق عليهم برضا الأطراف السورية التي تتفاوض على تشكيلها. الهدف من هذا الترتيب كان تجريد الرئيس بشار الأسد من جميع سلطاته التنفيذية. لكن هذا الآن أمر غير ممكن بسبب الحقائق على الأرض.
اقتراح نظام الرئيس الأسد بالوصول إلى اتفاقية لوقف إطلاق النار في حلب، مع أنه يمكن أن يكون مفيداً، هو إشارة صغيرة تثير الشفقة تهدف إلى خلق دعاية إعلامية أكثر منه إلى إنقاذ حياة الناس. النظام يمتلك الأفضلية العسكرية التي تبدو متفوقة. وهو يعتمد على مقاتلين لبنانين وعراقيين تلقوا تدريباتهم في إيران وعلى الكميات الكبيرة من الأسلحة التي يتلقاها الجيش السوري من روسيا. قوات المعارضة المسلحة الذين يفضلون حلا سياسيا يتوافق مع اتفاقية جنيف يجدون أنفسهم أقلية بعد أن يتلقوا دعما حقيقيا من الغرب. طالما أن الأسد في موقع يستطيع فيه الاستمرار في حكمه الوحشي دون عقاب، فإنه من غير المحتمل أن يكون مستعدا للمصالحة.
الائتلاف السوري صوت بحكمة على حضور مؤتمر جنيف2. ومع ذلك فإن العناصر غير الطائفية في المعارضة متفرقة ومعنوياتها منخفضة. المطلوب منهم أن يجلسوا في جنيف مع ممثلين لنظام يعتمد على مقاتلين أجانب متهمين بجرائم حرب، ويصرون أن الرئيس بشار الأسد سوف يستمر في السلطة حتى لو تم تشكيل هيئة حكم انتقالية. الغرب يريدهم أن يبينوا أنهم منطقيون، ومرنون، ويفهمون اللعبة السياسية أمام جماعة حاكمة تقوم بإلقاء البراميل المتفجرة على المدارس، العيادات الطبية، والمخابز. في ظل هذه الظروف المرعبة، فإن آفاق المناقشات المتحضرة في جنيف قليلة.
يبدو أن الغرب يأمل أن روسيا تحمل المفتاح الذي يفتح الباب نحو التقدم في جنيف. إذا كانت موسكو ترغب فعلا في رؤية تقدم فإنها ستطالب سوريا بالسماح بدخول عمال الإغاثة الدولية دون عوائق وبوقف القتل الجماعي. إيران في وضع أفضل من روسيا لإنقاذ الأرواح في سوريا، لأن ميليشياتها ومستشاريها العسكريين يحافظون على تفوق الأسد. سيكون من الأفضل أن تكون قد فعلت ذلك.
بوجود هدنة إنسانية، ربما تنتج المفاوضات في النهاية التفاهمات التي يمكن أن تنقذ سوريا. بدونها، يمكن أن تتفاقم الأمور أكثر. الولايات المتحدة ربما تكون مضطرة لإعادة تهديد عسكري ذي مصداقية لتخفيف الغضب الذي يبدو أن آخرين يبدون غير قادرين أو غير مستعدين على وقفه.