مع ازدياد الأزمة في بعض بلداننا العربية بل الأفريقية أيضاً، خلال الأشهر الماضية، كانت هناك نبرة غريبة على لسان البعض من أهل تلك البلاد: ليتنا لم نتحرر من الاستعمار! ليتنا ما زلنا نتبع بريطانيا أو فرنسا أو حتى البرتغال! كنا سنصبح في حال أحسن مما نحن فيه الآن!
لن أناقش ما وصلت إليه هذه البلاد. ولن أدافع عن حجم الفساد وسوء الإدارة، ولكني سأذكر أنه رغم أن حكومات الاستعمار شيدت في بعض الدول سككاً حديدية ومدارس ومستشفيات، إلا أن الحصيلة الكلية لهذه الخدمات ضئيلة بدرجة مذهلة، ولم تؤسس تلك الخدمات إلا لتخدم مصالح تلك الدول ومواطنيها المقيمين في تلك البلاد. وها هو الدكتور والتر رودي في كتابه القيم «أوروبا والتخلف في أفريقيا» يقول: إن تكلفة الخدمات الاجتماعية المقدمة من بريطانيا في 1934 كانت ستة جنيهات وأربعة بنسات لكل فرد بالمقارنة بغينيا أكثر المستعمرات البريطانية تميزاً: سبعة شلنات وأربعة بنسات، وفي نيجيريا كانت التكلفة أقل من شلن واحد. وبعد خمسة قرون من الاستعمار البرتغالي لموزمبيق لم يعلم طبيبا واحداً، وفي الجزائر بلغت نسبة وفيات الأطفال بين المستوطنين البيض 39 لكل ألف من المواليد الأحياء، لكن بالنسبة للجزائريين كان الرقم يتجاوز 170 لكل ألف من المواليد. وفي نيجيريا إحدى البلاد المميزة تحت التاج البريطاني كانت مدينة ابادين وهي من أكثر المدن ازدحاماً بالسكان يعيش فيها خمسون أوروبياً فقط خصصت لهم الحكومة البريطانية مستشفى فيه 11 سريراً جيد التجهيز بينما خصصت لنصف مليون من السود 34 سريراً فقط، ونفس الوضع عندما خصص للأوروبيين الذين كان يبلغ عددهم أربعة آلاف شخص في ثلاثينات القرن الماضي 12 مستشفى حديث التجهيز، بينما كان نصيب السكان الأفارقة في نيجيريا وعددهم 40 مليون نسمة على الأقل 52 مستشفى. إن هذا الزمن لا يمكن أن يعود ثانية فضلاً عن التحسر عليه، ويقيناً لن نعود لنستجير من الرمضاء بالنار.