كان مقطع الفيديو المتداول في مواقع التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع، لطلاب ثانوي -على ما يبدو- يكسرون زجاج فصلهم ومحتوياته، مصاحباً لتداول مقطع آخر سبقه بأيام لطلاب ابتدائي يمزقون الكتب في الشارع أمام بوابة مدرستهم، وينثرونها في ساحة الشارع وسط صراخهم وثجهم وعجهم وملاحقتهم لسيارات المارة، وزميلهم الذي يقوم بالتصوير يعرف بالحدث، قائلاً: «شوفوا.. تشوفون: انتهت الدراسة الابتدائية وهاهم ذا قاعدين يقطعون الدفاتر والكتب» ثم يدخل بينهم، فإذا الصراخ عبارات تعلن الفرح بانتهاء الدراسة.

مقطع التكسير للزجاج مختلف قليلاً لأنه داخل المدرسة وهو أوضح في الدلالة على ما يشبه الحقد أو الانتقام، أو العدوانية ذات القصد والتصميم. فالقيام من أحدهم بكسر الزجاج في أعلى الحائط ثم دفعه ليسقط إلى خارج الفصل، يقابله ارتفاع أصواتهم كما هي أصوات المشجعين عند إحراز اللاعب هدفاً. وينتقل المشهد إلى آخر يكسر نافذة أخرى ويتابع التصوير هذه المرة سقوط الزجاج في المسافة الهابطة إلى الأسفل، ثم ينتقل إلى السبورة الالكترونية ليدق صفحتها بالكرسي!

«هيه! لماذا يا بني؟! اسمعني: هي مدرستك ومدرسة إخوانك وأقاربك وزملائك! ليست مدرسة المدير! ولا مدرسة المعلم أو أي أحد أغضبك! لا ذنب لأشيائها بمللك أو ضجرك! ولا يصلح تكسيرها لاستعراض بطولتك وشجاعتك في عيون زملائك؛ إنها شرفك! هي ملكك أنت وستكون ملكاً لأبنائك... أنت لا تدفع مالاً لتتعلم فيها! هل ستتلفها -هكذا- لو كنت تدفع لتسجيلك فيها مالاً؟ أظن أنك لن تفعل! ولو فعلت فلا بد أن تصلح الزجاج، وأن تشتري سبورة جديدة! أجل، التاجر الذي يملك المدرسة لن يسامحك! ماذا ستقول حين تعود إلى منزلك فيسألك أبوك أو أمك عن المدرسة هذا اليوم؟ ماذا تعلمتم؟ هل ستقول كسرنا نوافذها وسبورتها! يا للخيبة... يا للخيبة!»

لم يكن المشهدان يتداولان من دون تعليقات، لكن التعليقات التي كان جلها -إن لم يكن كلها- يتبادل الإحساس بالفجيعة، ويظهر قدراً من الغضب، ويبدو ذاهلاً أو مشدوهاً حيناً وناقماً حيناً آخر، كانت تنتهي إلى طلب العقوبة للطلاب ومدير المدرسة ومعلميها، وكانت تنحي باللائمة على عدم وجود عقوبات كافية، وتردد العبارة المأثورة «من أمن العقوبة أساء الأدب»!. وكان بيان التربية والتعليم -هو الآخر- وعيداً مستطيرا للطلاب وتبكيتاً لفعلهم.

والأمر -فيما أرى- لا تحله العقوبات ولا يعالج بالتفنن في تغليظها، قبل أن نبحث عما يستنفد ضجر الطلاب وإحساسهم بالكبت والملل، ونتيح لهم ما يستثير حماسهم ورغبتهم في إظهار ذواتهم. وهنا العقبة الكأداء؛ فليس من الصعوبة بمكان الوعظ وتطبيق العقوبات والوعيد بها وقسر الطلاب على حياة جافة لا لعب فيها، وهذا -للأسف- هو ديدن مدارسنا. أما الصعوبة بأكثر من معنى فهي في ابتكار أجواء بهيجة في المدارس وإتاحتها. ولقد رأينا ما حل بإحدى المدارس في صبيا، حين «أخطأ» أساتذتها -في منظور إدارة التعليم- فمارسوا مع طلابهم بعض الفرح والبهجة!