تعيش أمريكا حالة من الهوس والقلق الكبير على نظامها التعليمي الذي تعدّه المشكلة الأكثر إلحاحا، على الرغم من أنها، حسب »المجلس الوطني للعلوم« وهو أعلى سلطة لرسم سياسات التعليم في الولايات المتحدة، تحتل المرتبة الأولى عالميا في مجالات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وأنفقت أكثر من 400 مليار دولار في هذا الصدد (الشركات الأمريكية تساهم بـ 84 % في تمويل البحث العلمي).
وهو رقم يفوق إنفاق الصين واليابان وألمانيا، منذ 2009 وحتى اليوم.
لماذا هذه البلدان الأربعة تحديدا؟ لأن الولايات المتحدة واليابان وألمانيا والصين تساهم في الإنتاج العالمي بنسبة 70 % تقريبا.
وينظر الخبراء إلى التعليم في العالم بوجه عام، بعدّه القاطرة الأولى في نهضة الأمم ورقيها.
أما في أمريكا، فهم لا ينظرون إلا إلى العيوب والسلبيات التي (قد) تمنع هذه القاطرة الأولى من أن تصبح كذلك.
وعلى سبيل المثال، فإن معظم الخبراء في الولايات المتحدة يقرون بأن التعليم عاجز عن ملاحقة التطور التكنولوجي المتسارع، وغير قادر على إعداد الشباب الأمريكي بالقدر الكافي لشغل الوظائف التي يتطلبها اقتصاد متحول بفعل العولمة وثورة المعلومات.
والأهم من ذلك، فإنهم لا يتوقفون عند علماء التربية والأكاديميين فقط أو أصحاب الأعمال والمؤسسات المختلفة لمعرفة وجهة نظرهم في مستوى الخريجين والمحصلة النهائية للتعليم، بل يأخذون بجدية رأي الشخصيات العامة والكتاب والصحفيين أيضا.
فريدمان والملفوف
ويعد الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان من أكثر المفكرين الذين يعتد برأيهم في تطوير التعليم في الولايات المتحدة، فهو من مفجري الأفكار وأحد الملهمين الكبار لكثير من الباحثين في مجالات مختلفة، كما جاء في أحدث تصنيف لأهم مئة قائد للفكر في العالم عام 2013.
ربما لأنه يصوب اهتماماته على تحولات الطبقة الوسطى تحديدا (العمود الفقري للمجتمعات) في ظل العولمة، إذ يرى أن العولمة والتقدم التكنولوجي أجهزا على «العمل الروتيني» الذي شكل ملمحا مهما من ملامح الطبقة الوسطى وأصحاب الياقات البيضاء الذين يقبعون خلف المكاتب، وظل محافظا على طبيعة هذه الطبقة ونمط حياتها وهويتها الجوهرية في وقت سابق.
ويقول فريدمان: اليوم نحن أمام أول جيل يعمل وهو يسير على قدميه، ومعظمه من أبناء الطبقة الوسطى المتعلمة، هذا الجيل يجيد التعامل مع أدوات العصر الرقمية ومفرداته التكنولوجية من التليفون المحمول (جيل «الآي فون» و»الآي باد» إلى «اللاب توب» و»الرول توب» جهاز اللاب توب الملفوف أو المبروم.
فقد حقق دمج العولمة مع تكنولوجيا المعلومات العديد من المكاسب الهائلة في عمليات الإنتاج، لا سيما في فترات التراجع الاقتصادي، حيث وجد أصحاب الأعمال أن الاستعانة بالآلات وأجهزة الكمبيوتر والعمال (الأجانب) الموهوبين «أرخص وأسهل» من الأيدي العاملة (الوطنية) في بلدانهم، وهو أمر لم يعد قاصرا على بلدان الخليج النفطية الغنية وإنما على الولايات المتحدة أيضا.
مولر وأوبنهايمر
في أحدث دراسة في دورية «علم النفس الأمريكية» –A Journal of the Association for Psychological Science - 16 يناير 2014 - عن أفضل طريقة يمكن أن يستخدمها الطلاب لتدوين ملاحظاتهم على محاضرة أو فيديو تعليمي، وهل هي باستخدام لوحة المفاتيح (كيبورد) على الكمبيوتر المحمول (اللاب توب) أو الكتابة الورقية بالقلم؟ ..جاءت النتائج لتؤكد وتضيف إلى الدراسات السابقة أبعادا جديدة، ربما قد تجعل توماس فريدمان يغير رأيه أو يطور أفكاره في المستقبل!فقد أشارت الأبحاث السابقة إلى أن استخدام «اللاب توب» في تدوين الملاحظات عموما في عملية التعليم، قد يؤدي إلى تشتيت الطلاب، لكنها لم تتجاوز هذه النتيجة المهمة إلى المقارنة بين استخدام الطلاب للكتابة الالكترونية والكتابة الورقية في نفس الوقت، في تدوين الملاحظات والأفكار أثناء السمع أو المشاهدة للمادة التعليمية.
لقد أصبح تدوين الملاحظات على أجهزة الكمبيوتر المحمول وليس الكتابة الورقية أمرا شائعا في عملية التعلم اليوم، بحيث إنك يمكن أن تلاحظ داخل قاعات المحاضرات سواتر تفصل بين صفوف الطلاب من شاشات اللاب توب!وقد تنبه بعض الباحثين إلى أن تدوين الملاحظات الكترونيا أقل فاعلية واستفادة من الكتابة على الورق أثناء العملية التعليمية، كما ركزت الدراسات السابقة على أمرين في هذا الصدد: تعدد المهام التي يقوم بها الطالب من خلال أجهزة الكمبيوتر، وعملية الإلهاء والتشتيت (عدم التركيز) التي يمكن أن يؤدي إليها الكمبيوتر أيضا، بحيث إن فائدة الكمبيوتر قد تتساوى مع ضرره!
فائدة ضعيفة
وفي أحدث بحث علمي قام به الباحثان بام مولر (Pam A.Mueller) جامعة برينستون، ودانيال أوبانهايمر (Daniel M.Oppenheimer) جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس، ونشر في يناير 2014 ، فقد وجدا أنه حتى في الجانب الإيجابي لاستخدام الكمبيوتر المحمول في تدوين الملاحظات أثناء الشرح سواء عبر الفيديو أو المحاضرة المباشرة، تظل الفائدة من عملية التعليم والتعلم ضعيفة وضحلة بالنسبة لمعالجة المعلومات.
ولاحظ الباحثان عبر ثلاث دراسات متكاملة، أن الطلاب الذين يمارسون عملية تدوين الملاحظات على أجهزة الكمبيوتر المحمولة كانت إجاباتهم أسوأ بالنسبة للمفاهيم الأساسية (الخلاصات النظرية) التي خرجوا بها أو تعلموها، على العكس تماما حين استخدموا التدوين بالطريقة التقليدية (الورقية) في التعليم، حيث استطاعوا أن يتوصلوا عن طريق الربط والمقارنة والغربلة بين المعلومات إلى نتائج مبهرة وجديدة.
وهو ما أكد على التدوين الحرفي للملاحظات على الكيبورد دون إعمال العقل عن طريق تدوين بعض الأفكار يدويا على الورق للتذكير والربط والاستنتاج، قد يضر بعملية التعليم لأن الطالب سيكتفي فقط بعملية الحفظ والاستظهار واسترجاع المعلومات التي تلقاها بشكل سلبي وحرفي دون التدخل العقلي الإيجابي من جانبه.
وأهم ما لاحظه الباحثان أيضا هو أن الطلاب حين استخدموا الطريقة الورقية في التدوين كتبوا كلمات قليلة ورسموا دوائر وأسهما وإشارات ورموزا دون ترتيب أو تنسيق، وجاء استيعابهم وتحصيلهم أكثر من ممتاز وأفضل بكثير من كتاباتهم المنتظمة للجمل الصحيحة والمرتبة على أجهزة الكمبيوتر المحمول، والذي يصحح بنفسه الجمل والقواعد النحوية الكترونيا!هذه الدراسة هي الأولى من نوعها وسيتم تكرارها كما يقول مولر وأوبنهايمر، وبتوسع وعمق أكثر حتى يتوصلا إلى أفضل الأساليب للتعلم والتعليم، لأن نجاح أمريكا أو فشلها في مجابهة التحديات العظمى للقرن الـ 21، سيتوقف بالدرجة الأولى على قدرة الأجيال الجديدة على الترقي تعليميا ومعرفيا والحفاظ على التفوق الأمريكي العالمي.
الثقة بين الأجيال
هذا الاستبيان العلمي والدراسة المصاحبة له ونقدهما، أحد النماذج المهمة لما ينبغي أن يكون عليه الحال، في التعامل مع التقارير والإحصاءات والاستبيانات التي تجرى في العالم اليوم. فقد أصبح لا يعتد بأي تقرير أو مسح علمي دون أن يناقشه خبير أو مجموعة من الخبراء المتخصصين في هذا المجال (من خارج المؤسسة التي أصدرت هذا التقرير)، للمزيد من الموضوعية العلمية والحيادية في النتائج والمصداقية أمام الجميع.
«اختلاف الأجيال وعدم الثقة «، هو أحدث مسح علمي لمؤسسة «بيو» عن الجيل الأول في الألفية الثالثة والبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و33 عاما، حيث كشف التقرير عن أن معظم هؤلاء الشباب «محبط ومتفائل في آن معا»، ناهيك عن انخفاض مستوى «الثقة الاجتماعية» لديهم: 19 % فقط يعتقدون بأن معظم الناس يمكن الوثوق فيهم، مقارنة بـ40 % من الجيل السابق عليهم (جيل الآباء) و31% من الأجيال الأسبق.
والسؤال هو: لماذا هؤلاء الشباب أقل ثقة من جيل الآباء ما قبل الألفية؟. وضع المسح مجموعة من الفرضيات والمتغيرات، منها:
1 - التنوع العرقي الذي يزداد عاما بعد عام في الولايات المتحدة نتيجة للهجرات المتلاحقة من مختلف دول العالم. وتاريخيا كانت الأقليات أقل ثقة من الجنس الأبيض الأمريكي، بينما أصبح جيل الألفية أكثر تنوعا من الآباء، مع الأخذ في الاعتبار أن 43 % من الأقليات.
2 - استخدام الانترنت إذ يرابط جيل الألفية بقوة بالمجتمعات المحلية (الموطن الأصلي) من خلال شبكة الانترنت حيث الأصدقاء. وفي المتوسط لدى الشباب الواحد من جيل الألفية 250 صديقا على موقع فيس بوك. والصلات القوية على شبكات التواصل الاجتماعي (المغلقة) ولدت نوعا من الحذر وعدم الثقة في الناس الآخرين (داخل المجتمع الأمريكي) سواء من الأجناس الأخرى أو الذين لا ينتمون لشبكة الانترنت أو ليسوا جزءا منها.
انتقادات حادة
وتولى أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميرلاند إريك أوسلانر صاحب مؤلفات «الثقة» و»الأسس الأخلاقية للثقة»، و»الفساد وعدم المساواة وسيادة القانون»، مهمة نقد هذا المسح والنتائج التي توصل إليها والفرضيات التي انطلق منها، لا سيما أن جيل الألفية يميل إلى التفاؤل بالمستقبل والآفاق الواعدة بالنجاح الوظيفي والمالي. ورأى ضرورة إعادة النظر في النتائج التي توصل إليها التقرير، جملة وتفصيلا، لأن معظم الأبحاث المعاصرة تشير إلى نزعة التشاؤم الاقتصادي عند الشباب، وأن «التنوع الثقافي» في عصر المعلومات لا يشكل دليلا كافيا على عدم الثقة عند الجيل الجديد أو بين الأجيال المختلفة.
ويقول أوسلانر: مع ثورة المعلومات وبدء تشكل مجتمع المعلومات، تغيرت طبيعة الانتماءات عموما حيث ساعد تطور وانتشار شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على تحقيق مزيد من التنوع والتباين بين الأفراد، كما أن المجتمعات المتباينة أدت بدورها إلى تعدد الانتماءات أيضا.
لقد ظهرت «المركزية « مع العصر الصناعي أو قل تأثير الآباء المباشر على الأبناء، أما اليوم في عصر المعلومات فقد انتقل العالم من المركزية إلى اللا مركزية حيث لم يعد الناس عموما متماثلين أو متطابقين، وأصبح كل إنسان فردا كبيرا ولا يمكن أن نفهم من خلاله باقي الأفراد الآخرين! وبالتالي ما نشاهده اليوم بأم أعيننا هو انهيار المركزية ومعظم النظم التي تنتمي للعصر الصناعي.
لقد سقطت النمطية والقوالب الجاهزة ولم يعد يؤمن أي إنسان فرد بفكرة الوكيل أو أن يتحدث أحد نيابة عنه سواء في النظم السياسية الديمقراطية (مجلس النواب) أو حتى أن يتحدث الأب أو الكبير نيابة عنه، ولعل هذا هو ما يجعلنا نفترض أن «الثقة الاجتماعية» قلت أو تكاد أن تنعدم بين الأجيال خاصة الجيل الجديد - الألفي.
ويؤكد أوسلانر أن إلقاء اللوم على شبكة الانترنت في «انخفاض الثقة بين الأجيال والأغيار» خطأ علمي فادح، إذ لا توجد علاقة منطقية بينهما، وهذا الربط الآلي لا يستند للواقع حيث إننا نتواصل بعضنا مع بعض عبر الشبكة العنكبوتية وشاشات الكمبيوتر، ونعرف أثناء تفاعلنا أننا نخاطب بشرا مثلنا وليس آلات صماء أو جمادات ناطقة. ويقول: هذه هي الثقة بعينها لأننا نؤمن بالغرباء ونثق فيهم – إلى أن يثبت العكس – ناهيك عن الخبرة الالكترونية الإنسانية التي اكتسبناها اليوم في التمييز بين الأسماء الحقيقية وغير الحقيقية على شبكة الانترنت، تزيدنا ثقة وليس العكس.
ملامح المستقبل ترسمها التكنولوجيا المتقدمة والتفكير النقدي
تشكل تكنولوجيا النانو والبيولوجيا والهندسة الجينية والالكترونيات وضوئيات النانو وتكنولوجيا الكوانتا وغيرها أهم ملامح «الجيل السادس للتكنولوجيا»، والذي ستكتمل قسماته ومبناه ومعناه بعد 25 سنة تقريبا.
وإذا أردنا أن نعرف أين يقف العالم اليوم من توزيع وامتلاك أجيال التكنولوجيا، سنجد أن 60 % من التكنولوجيا في الولايات المتحدة ينتمي إلى الجيل الخامس، 50 % من الجيل الخامس من نصيب الصين وكوريا الجنوبية واليابان، بينما تقف روسيا عند حدود الجيل الرابع للتكونولوجيا.
فالعالم المتقدم يسعى حثيثا إلى تكوين كوادر وخبراء قادرين على التعامل بفاعلية مع الروبوتات والأجهزة الذكية والعقول الاصطناعية، حيث أصبحت مهنة مهندس التكنولوجيات من أكثر المهن المطلوبة في مختلف المرافق الانتاجية، ربما أكثر من المتخصص في الاقتصاد والتسويق والإدارة.
وهذا التطور الجديد كشف عن معضلة أنظمة التعليم في العالم كله، حيث تبين عجزه عن تخريج خبراء أكفاء يستطيعون مجابهة تحديات العصر واستحقاقاته ومقتضياته.
وفي الدول المتقدمة، هناك جدل لا ينتهي حول تحديات التعليم وآفاقه في الألفية الثالثة، والسؤال: هل يمكن أن نستفيد من نتائج هذا الجدل الخصب – رغم اختلاف السياق - في معالجة بعض مشاكلنا؟
توجد مشكلة عالمية تبحث عن حل عاجل – في مختلف أنحاء العالم - وهي أن معدل التطورالتكنولوجي أسرع بمراحل من مخرجات التعليم التي توقفت عند مستويات معينة، حتى داخل الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان وكوريا الجنوبية، حيث أصبح سوق العمل يتطلب «مهارات» في الخريجين أعلى بكثير مما هو معروض وتلك هي الفجوة الحقيقية بين معدلات التوظيف والبطالة في معظم الدول المتقدمة - وغير المتقدمة - وهي فجوة في المهارات أساسا.
على سبيل المثال، كشفت «لورا تايسون» الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين بالولايات المتحدة، وأستاذ إدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا (بيركلي) عن أن هناك أكثر من ثلاثة ملايين وظيفة شاغرة اليوم في أمريكا، وأن حوالي 49 % من أصحاب العمل يواجهون صعوبات في ملء هذه الشواغر من العمالة الماهرة.
التفكير النقدي
بيد أن عدم التوافق بين «المهارات المطلوبة» و»سوق العمل» أخذ أبعادا أعمق من نتائج دراسة تايسون في النقاشات الدائرة، حيث حذر العديد من الخبراء وفلاسفة التربية من خطورة حصر «التعليم المنشود» في اكتساب «المهارات العملية» فقط مثل الهندسة وتكنولوجيا المعلومات التي ستحرك اقتصاد المعرفة، في القرن الحادي والعشرين.
وهو ما أكده أصحاب الأعمال أيضا في الولايات المتحدة في أحدث استطلاع للرأي، حيث ثبت أن بعض الخريجين الجدد يتمتعون بالفعل بتدريب فني عال بينما يفتقرون في واقع الأمر إلى الخبرة الكافية التي تمكنهم من «التفكير خارج الصندوق» وإطلاق العنان للخيال في حل المشكلات المتجددة، وغيرها من المهارات «غير العملية» التي تنميها دراسة الأدب والفنون الجميلة والفلسفة ومن ثم تجعلهم أكثر ميلاً إلى المغامرة والتجريب والإبداع.
ناهيك بأن العلوم والمهارات العملية، التي لا غنى عنها لأي مجتمع متقدم أو يطمح للتقدم، قد تساعدنا في الحصول على الحياة التي نرغبها، ولكنها تعجزعن تعليمنا أي نوع من الحياة يستحق أن نعيشه ونرغب فيه ونسعى إلى تحقيقه.
واللافت في معظم الجدل حول التعليم هو الإجماع على أن تدريس العلوم الاجتماعية والأدب والفن في مختلف المراحل والتخصصات أصبح ضرورة قصوى من أجل بناء الشخصية (النقدية) القادرة على مجابهة التحديات والمشكلات الجديدة وتحمل المسؤولية الإنسانية، في عصر يزداد فيه تسليع التعليم أو قل تحويله إلى سلعة هدفها الأساسي – عند أولياء الأمور والطلاب وأصحاب الأعمال – تلبية احتياجات «سوق العمل» ومتطلباته.
فالفلسفة على سبيل المثال صارت «طوق النجاة» في عصر المعلومات والانترنت، فلم تعد «مشكلة المعرفة» اليوم، هي كيفية الوصول إلى المعلومات واستخلاص المعرفة منها، وإنما الافتقار إلى المهارات النقدية اللازمة لمعالجة هذه المعلومات وغربلتها (إفرازها) للوصول إلى الحقيقة، وعندها فقط تصبح «المعرفة قوة»، في عصر لا يعترف إلا بالأقوياء المسلحين بالمعرفة وأدواتها ومهارات اقتناصها وتوظيفها.
تأصيل «التفكير النقدي» في أنظمتنا التعليمية «ليس ترفا أو رفاهية»، كما يقول أستاذ الفلسفة في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك ماتسيو بيجلوتشي، حتى لا نتحول إلى حشود جاهلة يجرفها في طريقه « فيضان الإلكترون»، لأن «الجهل اليوم» – وهو عنوان مقال بيجلوتشي المهم – أصبح اختيارا شخصيا في عصر المعلومات والانترنت وليس مفروضاً علينا كما كان الحال في السابق.

