عبر سلم باب الطوارئ غادرت.. عددت الدرجات واحدة واحدة.. وكلما هبطت دورا .. سلمت على جدران الرخام الوفية وقضبان النوافذ الحانية، وتبسمت لها ابتسامة الوداع.
5 أدوار كانت تنتحب.. وبوابة خشبية عجوز في الأسفل تنتظرني بعناقها الحار لتعبر عن تقديرها وامتنانها وتنثرهما فوق رأسي كأكاليل الزهر الباسقة! تلكم كانت مشاعري في آخر يوم عمل رسمي قبل التقاعد من وزارة التربية والتعليم.
27 عاما أخذها مني القطاع الحكومي وأعطيته.. كنته وما وددته.. عاركته وجاريته.. لمت والدتي (رحمها الله) أنها أفنت عمرها فيه.. لكنني على نفس الخطى شئته.. صفقت له وعاتبته.. وفي كل ركن من كل دور تقافزت الإنجازات.. ومدت لي خيبات البشر لسانها. مثلت وطني بشرف المحاولات في محافل دولية دون واسطة ولا محسوبية، دعمني وساندني ربي قبل قيادات الوزارة الواعية التي تشرفت بالعمل تحت إمرتها، ذبت خجلا أمام قامات شامخة لأني كنت منها أتعلم، وعاصرت شخوصا ضحلة كانت تتمترس خلف المكتب وتعوي هجوما قبل أن تنكشف.. وفي زمننا هذا.. ما أكثرهم.
وقد حملت متعلقاتي في أكياس واحتضنت مروحتي الصغيرة، بالنقاء الذي دخلتْ به، وبالطهارة التي أثق أنني غادرت بها.
مراسم انتهاء الخدمة ختمتها عمدا بالخروج من سلم الطوارئ! في مبنى ألفته على كل أحواله.. «وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن» كنت أردد (تشاو)... استودعت الله أمانتي وهو شاهدي عليهم، أردت مجازا أن أقلب الصفحة بخطوات غير دامعة وبمراسم متواضعة لأذكر نفسي بالحياة التي دخلتها بضعف وقد أغادرها بوهن سائلة الله الفلاح بين البداية والنهاية. كنت كالعصفور المبلل الريش في انتظار من يدثره ويزمله وهو يرتعش وجلا، وقد تركوني في مكان عاصف ممطر تغمره الاحتمالات والإمكانات وشرائع الغابات، بالإضافة لإمكانية النجاحات وزخم الخبرة المكثف والزمالة والنضج ومساحات النمو الواعدة، وقد قيض الله لنا قلوبا مضيئة ترشدنا بتسخير الله في مسالك الإدارة، تعلمت فن الجرأة على أن أكون أنا وليس ظلا لأحد أخشاه أو أنافق له، فأعظم مكافأة للمرء أن يعطيه الله القدرة على صنع الأفضل ليطبق روح النظام وليس النظام بجموده، ويقدم خدمة تفوق في جودتها ما هو متعارف عليه من قطاع حكومي يغرق في البيروقراطية إلى أذنيه.
أعداد غفيرة تسربت إلى التقاعد المبكر أو انتقلت إلى وظائف تدور في فلك البطالة المقنعة، عندما تتغير القيادات وفق لعبة الكراسي تحت مظلة ما يسمونه بالدمج الإداري، ليتم فرط عقد الخبرات الثمين والزج بمن لا يناسب في المكان غير المناسب. كنت أتداعى وأتناثر كالشظايا كلما رحلت خبرات تربوية قبل أوانها والسبب هو التعامل المجحف والإحباط المقيت والتعنت والازدواجية، وفوق كل هذا لا وجود لتقييم حقيقي لمستويات الأداء، فالمتقاعس كالمتميز يقبض الراتب آخر الشهر والسلام، معضلتنا الحقيقية في الوزارات هي السلطة المطلقة في يد فاقد الأهلية، والتي هي تمهيد للمفسدة المطلقة.
آخر 7 سنوات كانت مزيجا من الصراع والتسلية وشحذ الهمة، كان مصدر قوتي التقدير الجم الذي ألقاه من قطاع معاهد ومراكز التدريب الأهلية بجدة وحاجة المستثمرات المتنامية إلى المساندة والمشاركة في صناعة نقلة نوعية للتدريب في محافظة جدة. حاولت تغيير مفهوم تواضع الخدمة الحكومية للمستفيد بمعنى أن تقدم الخدمة الحكومية للقطاع الخاص بنزاهة وإتقان ليصبح هو الأصل وليس الطارئ الغريب عليهم.
كنت أثق في قدرة الملاك والمالكات على تغيير واقع التدريب وتجويد مخرجاته بخلق الثقة في العلاقة التعاقدية بين المستثمر والجهة الحكومية التي تشرف عليه، طبقت سياسات العصا والجزرة وزرعت الاحترام والثقة أميالا لا تشيخ، وكانت نتائج المحاولات تبشر بخير كثير، تأسست باتحادهم لجنة مالكات معاهد التدريب بالغرفة التجارية وخرج مشروع تقييم وتصنيف منشآت التدريب الأهلية وفق نظام النجوم إلى النور، بالرغم من جبال التحديات التي واجهتني. كل معاهد جدة الـ (22) حصلت على تراخيص رسمية، وكل ما تدرسه من مناهج لغة إنجليزية وفرنسية حائز على الترخيص...ولله الحمد.
راحلة أنا والقادم أجمل وينتظر، أترك خلفي مصابيح مضيئة في القلوب والعقول، وقد حان الأوان لأسلم الأمانة لمن أتوسم فيهم حسن الرعاية، مؤملة من الله أن يقيض لهم الأفضل. وأمنيتي كانت وما زالت عندما أرحل عن أي مكان، أن يدعو لي من عرفني أو حتى سمع عني، بظهر الغيب، فأجمل ما يتركه الإنسان عندما يرحل الأثر الطيب في نفوس الآخرين. اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون واغفر لنا ما لا يعلمون.
تشاااااو !
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
