خمصت قدماي مرتفعة عن مستوى الأرض، كبلبل نشوان يجرب الطيران للمرة الأولى.
الأرض من تحتي رونق مخضر بتناغم الأبعاد الثلاثية، وأهزوجتي تنطلق لحنا يتراقص بين بلورات الثلج، ويداعب حسي أريج زهور، وتهفهف روحي بأجنحة طيور منطلقة إلى مدارات الفن والسرور، وبحرية فكر ترتقي فوق عنان السماء الصافية، وأشعار تترنم، وتزهو فوق المزن كتب حب وحرية شاسعة، أكاد من نعيم حنوها أن أغرق في لذة مشاعري، وهي تهوي بي قطرة ندى تنعش الثرى، وتنبت حبات طموح الإبداع بالحب والجمال والروعة.
صدقوني، أني قد كنت لجمال ما يطويني من سعادة، أشعر بسريالية وتكعيبية ما يجري، وأحس بأني لقطة في حلم وردي جميل لن يلبث أن يتكلل ببسمة كوميدية، وتقلب درامي فوق مخدة ثقافتي، وأنا أسترجع محفل روعة الحلم.
لقد كانت الإشارات الثقافية في لحظتي تدلني على أن القادم أجمل، وأن النصر حليفي بالوصول إلى مكان علي أثير بأخباره الطازجة، ومتعة ما يحتويه من فن وفكر وإبداع يعكس قيمتي وإنسانيتي، ويعمر الكون بالمواهب الفتية.
وبالفعل وصلت إلى مشارف الروعة، وللأسف فإنها لم تكن مطابقة لحلمي!.
لقد هببت مفزوعا، بعد أن وجدت أني في نهاية الحلم أدخل مكتبي الوثير المكتوب على بابه (وزير الثقافة والإعلام السعودي).
انقلب الحلم الجميل إلى كابوس أرعبني، فأنا أتخيل ما ينتظر من يحل بهذا المنصب من أهوال.
صدقوني أنه سيأتي على عالم ستائر كحلية مغزولة بخيوط من البيروقراطية المتشددة المتوارثة، ومقاعد لعبة موسيقية متداخلة مع جهات وتيارات، وأطياف يسعى معظمها لإبقاء الإعلام نائما في مرقد الضيق، ومنع الصحوة الثقافية، ودخول عصر التنوير.
منصب يعجز الفارس المغوار المدجج بالدروع، ويدفعه لمحاربة طواحين الهواء الوهمية، بل والحقيقية، التي تغشي الأعين، وتجعل أعنة الرياح رماح ترشق الجمال، وتحشر العقل في سراديب الرتابة والخوف.
وزير الثقافة والإعلام سيجد نفسه يسير على تكلسات إرث السنين الجامدة في روزنامات المشي على عجين يخشى أن يترك فيه علامات قدميه، عند إخراج الأرغفة المحترقة من فرن الزمن الغابر.
لقد فزعت من مجرد الحلم، فما بالك بالذي تسلم المنصب فعلا، وهو في حالة من الانشراح والأمل بإصلاح ما أفسده الدهر.
كيف سيرضي عقول المفكرين والمبدعين في جميع المعارف والثقافات والفنون، وكيف سيتخلص ممن عششوا على أبواب إداراته، وهم بعيدون كل البعد عن تلك التخصصات الإبداعية؟
كيف سيجري في شوارع الإعلام الجديدة الهائلة التجدد بعكاز الماضي، ويحاول اللحاق بشعاع الطيف، الذي يلوح له من بعيد، فيعجز عن سماع صوته، وتبين صورته ورسمه، وتتبع لحنه، وتشريع مسرحه، وتشغيل سينماه، ومقاربة حريته ووضوحه الجلي.
كابوسي وزال، أما وزيرنا الجديد فله منا الدعاء، بالنجاح في مسؤولية تصعب وتتضخم في كل يوم، والمقارنات تناديه للمدى، والأماني قد تصنع الرؤى في الخيال، ولكنها قد لا تسمح لكل مجتهد بالوصول.

[email protected]