في الأسابيع الفائتة تداول الناس حادث سير أليما وقع لمجموعة من المعلمات في القرى النائية بشمال المملكة بين ركام الثلوج التي لم تكن سببا مقنعا لتوقف الدوام حفاظا على الأرواح، لم يكن المنظر غريبا، فقد سبقه حادث مؤلم آخر بمحافظة المخواة بمنطقة الباحة لمعلمات، ذهب ضحيته عدد من زهرات بنات بلدي حاولن اجتياز الأمطار والسيول بعد نهاية الدوام ورفضت المديرة والموجهات أعذار الأمطار، وهكذا تتعدد الحوادث وتكثر الضحايا حتى تم تسجيل أكثر من 14 حالة وفاة و99 إصابة بالغة خلال خمسة أسابيع فقط!.
منذ عقد من الزمن تتسارع القنوات لطرح هذا الموضوع الدامي، وتفرد الصحافة الورقية عناوين كبرى لكي تلفت أنظار المسؤولين، ولكن النتيجة هي تكوين لجنة ينبثق منها لجان، وإعداد دراسة يتبعها دراسات وما زال الوضع على حاله،، فلم نسمع بعزل مسؤول نافذ أو إحالة إدارة التعليم برمتها إلى قفص المحكمة، وأصبحت الأعذار تلقى على سائق الباص أو سيارة النقل، وأحيانا على الطريق الجامد وتشققاته، وأحيانا على الطقس وتقلباته، فهل يعتقد المسؤولون أن الله تعالى لن يسألهم السؤال الكبير بأي ذنب قتلت!.
أجزم قطعا أن المعلمات ربما كُنّ من أكثر الموظفات في الدولة إخلاصا وحبا للعمل، فهل يعلم المجتمع أن تلك الهدايا المغلفة التي تأتي لبناته بعد الامتحانات إنما هي من مال المعلمات الخاص؟ وهل يعلم المجتمع أن رواتب كثير من عاملات النظافة في مدارس البنات إنما هي من مال المعلمات الخاص؟ وهل شاهد الآباء فصول بناتهم وما فيها من الأعمال والزينات وعلموا أن ذلك لم يكن للوزارة فيه ناقة ولا جمل، وهل شاهد الآباء والأمهات الأعمال اليومية خارج المنهج المقرر التي يقوم بها المعلمات لبنات بلدي بكل جدّ واجتهاد دون أن يكون هناك مقابل لهذه الأعمال الزائدة، وهل شاهدنا تلك الحفلات الراقية لتخريج بناتنا في نهاية السنة وسألنا أنفسنا لماذا تبذل المعلمات تلك الأموال الخاصة لإسعاد فلذات أكبادنا؟
لست أريد الخوض في كلام عاطفي عن وقت بداية المعلمات الذي يبدأ بعد الفجر مباشرة، ولن أتحدث عن ساعات الانتظار والمناوبات الكئيبة التي تنتظر فيها المعلمة آخر بنت في المدرسة، متى يحضر ولي أمرها دون أن يكون لها بدل خارج دوام، ولن أتحدث عن تعامل الوزارة مع خطأ يسير من معلمة، ولن أتحدث عن قسوة الآباء والأمهات مع المعلمات دون أن يكون هناك لجان دفاع قوية يهابها المجتمع وتنتصر لتلك المرأة الضعيفة المعلمة، دعك من تسلط المديرات وتحكمهن في دوام المعلمات اللواتي انتهت حصصهن مبكرا، وإغلاقهن لأبواب المدارس كأنهن سجانات والأسوأ منه ذلك الدوام في الأسابيع الميتة التي لا يوجد فيها طالبات، ومع ذلك تجبر المعلمات على قطع إجازاتهن والحضور دون عمل، ولا يخرجن إلا مع نهاية الدوام، لن أتحدث عن كثير من ذلك لأنه لا حياة لمن تنادي غالبا.
حسنا كل هذا التشديد لدينا وزيادة، ولكن أين هيبة التعليم، وأين الجيل الذي كنا ننتظره، متى تجد المعلمة ذلك المجتمع الذي يقدرها، وتجد تلك الوزارة التي تعاملها على أنها أغلى الجواهر النفيسة في البلد، ومتى تجد المعلمة تلك المدرسة التي تشتاق لها ولا تطلب منها أكثر من طاقتها الطبيعية، ومتى تجد المعلمة ذلك المسؤول الذي يخرج ليتحدث ويعتذر حزينا متأسفا على مصابها، متى تجد المعلمة ذلك التأمين الصحي لها ولعائلتها، فقد أصبحت عاملتها المنزلية وجميع العاملات من غير السعوديات يحصلن على التأمين المجاني، وأما هي فلا تعرف إلا لغة الأمر والنهي والتهديد غالبا. متى تجد المعلمة لأطفالها حضانة مجانية في مدرستها؟
أيها المسؤولون: لقد قال رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، «استوصوا بالنساء خيرا». أيها المسؤولون: إن المقارنة بين الرجل والمرأة في طبيعة الدوام وطبيعة التكاليف والمهام خطأ، فالمرأة تحتاج لمزيد مراجعة واهتمام وتغاض عن كثير الروتين الرجالي الصارم.