لخص الإعلامي التركي اليساري جان دوندار، صورة المشهد السياسي في بلاده، بحالة التركي الذي دخل مدينة لندن للمرة الأولى بسيارته فوجد السيارات كلها تسير عبر اليسار بينما هو يسوق على اليمين، ولما استنفر رجال الشرطة أمامه وخلفه يحذرون السائقين عبر مكبرات الصوت بوجود رجل يقود سيارته عكس السير، ضحك ساخرا وقال «يقولون سيارة واحدة، هناك آلاف السيارات تتقدم بعكس السير».
الاشتباك السياسي بين الحكومة التركية وجماعة فتح الله غولان المندلع منذ شهر تقريبا يكاد يطيح بتنظيم حركة المرور السياسي والاقتصادي والإنمائي التي وضعها رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وحكومته منذ أكثر من عقد، وحملت لتركيا نتائج إيجابية كبيرة كما يرى غالبية الأتراك المحسوبين على الجانبين معا.
خبراء الاقتصاد والمال الأتراك يحذرون مثل غيرهم من الإعلاميين المعتدلين الواقفين على الحياد من ارتدادات هذه المواجهة، التي بدأت بسبب مشروع قانون تعليمي يعيد تنظيم عمل مراكز تأهيل الطلاب التي تشرف جماعة جولان على جزء كبير منها، وتعتبرها نواتها في الحصول على المناصرين والأفراد وتوفير رأس المال الضخم المجير إلى أكثر من قطاع خدماتي وإعلامي داخل تركيا وخارجها.
ويتابع دوندار «كل شيء تقريبا في تركيا يسير بالاتجاه المعاكس، وحوادث السير الكبيرة والخطيرة جاهزة للوقوع في أية لحظة، وهي تهدد مباشرة كل ما بناه إردوغان وغولان بعد تعاون ثنائي استمر حتى فجر 17 ديسمبر الماضي.
«أمره كونغار» في جريدة «الجمهورية» العلمانية يقول إنها مواجهة مفتوحة على جميع الاحتمالات بين إخوة الأمس وأعداء اليوم، وهي قدمت لنا على طبق من ذهب لم نكن لنحلم به.
أما روشان شاكير الباحث التركي المتخصص في مجال الجماعات الإسلامية، فيرى أن المواجهة تتقدم على خطين، الحرب الإعلامية والحرب النفسية وهي طبعا يصحبها الهجمات المباشرة عبر الضربة والضربة المقابلة في مواقع التمركز والانتشار برغم أن حكومة إردوغان هي المتقدمة.
إجماع واسع في الإعلام التركي على أن إردوغان أعلن الحرب الشاملة على الجماعة تحت شعار «مطاردة هذه العصابات والفيروس في أوكارها»، فهي لا تختلف كثيرا عن جماعات الحشاشين في العهد السلجوقي التي تتلقى الأوامر من الخارج، لكنه يعرف أن الجماعة قادرة على المواجهة والرد على حليفها القديم، والعدو الجديد.
بين آخر النقلات التي تسجل لصالح الجماعة تسريب شريط صوتي يتهم جهاز الاستخبارات التركي بالتورط في عملية اغتيال ثلاث ناشطات كرديات في باريس قبل عام، وذلك إثر نشر معلومات صحافية أشارت إلى محادثة جرت بين القاتل المفترض واثنين من عناصرها.
لكن حكومة إردوغان ترد الصاع صاعين مع كل عملية تعتبرها استهدافا لها من قبل أنصار الجماعة المتمركزين في الجسم القضائي والجهاز الأمني. آخر الإقالات والإبعاد كانت في مؤسسة هيئة تنظيم ومراقبة المصارف ضد نائب رئيس الهيئة واثنين من كبار مساعديه، والسبب قد يكون له علاقة مباشرة بتزويد أحد مصارف الجماعة باستعدادات لحملة مالية كبيرة تستهدفه كما نشر.
قبل الانتهاء من كتابة هذا التقرير كانت وكالات الأنباء التركية تتناقل نبأ تقدم أحد الصحافيين الأتراك ويدعى يوسف أونال بشكوى أمام النائب العام في اسطنبول يطالب فيها بجلب غولان من مكان إقامته في بنسلفانيا الأمريكية ومحاكمته على كل ما ينشر ويقال حول دوره في إشعال فتيل هذه الأزمة الذي كلف الاقتصاد التركي حتى الآن عشرات المليارات من الخسائر والأضرار وللحديث تتمة طبعا.
إردوغان ـ غولان.. معركة تكسير "عكس اتجاه السير"
عدنان الحبشي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
